![]() |
|
|||||||
« آخـــر الــمــواضــيــع »
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
وجعلته سيدا من السادة (6) السيرة العقلائية وتعيين القائد تحدثنا عن الدليل الأول لإثبات نظرية ولاية الفقيه وهو ما أسميناه بقاعدة القدر المتيقن وقدمناه لوضوحه وبداهته ، وهو كما يجري في الولاية المطلقة للفقيه يجري في سائر التصرفات الأخرى التي ينوب فيها الفقيه عن الإمام المعصوم . وسيكون حديثنا اليوم تفصيلا لهذا الدليل البديهي . ونظرا للزوبعة الكبيرة التي أثيرت مؤخراً حول قضية الخمس ودليل وجوبه فسيكون المنطلق من خلال هذه المسألة وفق مقدمتين: الأولى: هل أن أخذ أمر الأئمة بتسليم الخمس من شيعتهم لهم أو لوكلائهم كان أمراً جادّاً أو هو من باب التقية , التي يفقد فيها الخطاب بالأمر لعمل معين عنصر الإرادة الحقيقية للفعل . بلا شك ليس هناك من يقول أنهم عليهم السلام أخذوا الخمس تقية. فالعقل يدرك جدّية الشارع المقدّس في تشريع الأحكام ويدرك أيضا إطلاق تلك الأحكام ويجزم بضرورة استمرار العمل بها حتى في حال عدم وجود المعصوم . الثانية : لم ترد هناك تقييدات في أوامر المعصوم وسلوكه في قبض الخمس تفيد أنه لزمان معين , وعدم ورود التقييد في الأحكام يفيدنا إطلاق هذه الوظيفة وعموميتها . بناء على هاتين المقدمتين نقول: أن العقل يقضي بأن الشارع سيد العقلاء وهو جادّ في هذا الأمر ، ونفس العقل يقول أيضا أن هذا الحكم مطلق بمقدّمات الحكمة وعدم وجود التقييد , ثم يرشدنا إلى كيفية تطبيق هذا الحكم وفق قاعدة القدر المتيقن , فيجب أن ننتخب الشخص الذي نعتقد أنه الأعلم بموارد الصرف التي يريدها الإمام المعصوم . إذن , ذات الارتكاز العقلائي يجعل أي إنسان يؤمن بهذه المنظومة العقائدية (1) يختار بعقله المرجع الأفقه والأعدل والأعرف بموارد الصرف , ينتخبه ويسلمه أمواله دون شك أو ريب , أعتقد أن من أدق ما ورد هنا هو رأي السيد الخوئي في كتاب الخمس إذ لا يرى وجوب تسليم الخمس إلى المرجع الذي يقلده الإنسان , وفي نظره أنه يجب أن يعطيها للأعرف والأعلم بموارد الصرف. إذن الإنسان يختار من يقلد بناء على رأيه، ويختار من يعطيه الخمس , وله رأي في مورد الولاية وتعيين الولي الفقيه. فرأي الإنسان له وزن واعتبار في الشرع وهو ليس مُقصىً ولا مبعدا . وهذا يعتمد على ارتكاز عقلائي يقضي بأن العقل نفسه يدل الإنسان على الرجوع في زمن الغيبة إلى من هو أعلم وأعرف منه، هذا مقتضى العقل والإدراك، وإذا جاء نص ديني على ذلك فإنه لا يعتبر دليلا وإنما يعتبر مؤكدا على حكم العقل، ومرشدا إلى هذا الارتكاز العقلائي. إذن فالتشكيك في مسألة الخمس هو ما يحتاج إلى دليل، وما هذه الإثارات حول مسألة الخمس إلا مرض في القلوب. بعد بيان وجوب تحصيل القدر المتيقن من أجل إمضاء حكم كوجوب الخمس نقول: أن ذات القاعدة تجري في تعيين الولي الفقيه في زمن الغيبة , فكما ينتخب الناس المرجع بالطرق العقلائية والرجوع لأهل الخبرة ويسلمون له الخمس لأنهم يستأمنونه على الحقوق الشرعية في غيبة المعصوم , فهم أيضا ينتخبون من يسلمونه زمام القيادة نيابة عن المعصوم عليه السلام. كيف يشخّص الناس القائد ؟ بعد إثبات أن العقل يقضي بالعمل وفق قاعدة القدر المتيقن في تحديد القيادة في زمن الغيبة يتبادر سؤال عريض مفاده: كيف يمكن لعامة الناس تشخيص خصائص الأجدر بالقيادة (2) والأعلم والأفقه والأكفأ في التدبير والإدارة والأكثر تقوى وعدالة روحية ؟ لقد قلنا أن أهم صفات القيادة: أولا: العلم والمعرفة التفصيلية بالأحكام الشرعية وردّ المستجدات إلى الأصول . الشرط الثاني: التقوى، وهي من أهم الشروط، لأن القيادة بلا مواصفات باطنية هي مورد لإيقاع الناس في المفسدة، أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقيم الشاهد على عدم صلاحية الثلاثة المتقدمين الذين كانوا قبله، لم يأت بآية ولا رواية في انحصار القيادة، بل تكلم عن عدم صلاحيتهم في الجانب الأخلاقي قال: "إِلى أَنْ قَامَ ثَالِثُ القَوْمِ، نَافِجًا حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلهِ وَمُعْتَلَفِهِ" (3) فديدنه جمع الأموال وصرفها والاستئثار بالفيء . هذه سلوكيات تخالف القيادة, فالقيادة يجب أن تكون مأمونة وليس العلم هو ما يحقق الأمان من التحزب والفئوية والخطيّة، المؤمّن هو الخوف من الله وخشيته سبحانه. هذه الصفات هي التي تحقق السيادة والصيرورة الباطنية، وهو ما أسميناه بالجعل، الذي هو في المعصومين تكوينا وفي المراجع على نحو التشريع . الشرط الثالث: الكفاءة في الإدارة، -وبها تكتمل شروط القيادة- وهي القدرة على تشخيص الواقع الخارجي والتعاطي معه وفق ما تقتضيه مصلحة الأمة . من تقديم الأهم على المهم وتشخيص كبريات الأمور بحيث يعرف القائد متى يقدم ومتى يحجم , متى يعلي سقف الخطاب ومن يخفضه , متى يواجه ومتى لا تكون المواجهة من المصلحة . ولا يراعي في ذلك أي مصلحة فئوية . هذه الشروط الثلاثة يدركها العقل , والعقل أيضا يقرر الطريق لإحرازها . فهو يقول أنه إذا لم يتمكن من تحقيق المصلحة 100% فيجب أن يسلك الطريق الأقل ضررا , وفارق بين كمال المصلحة والبحث عن الطريق الأقل ضررا . لاحظوا الفرق بين تشخيص المصلحة والمفسدة، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: (ليس العاقل من يعرف الخير من الشر ولكن العاقل من يعرف أهون الشرين) وفي كلام للإمام الصادق ما يحكي نفس المضمون ويضيف أن معرفة الخير من الشر ليس هو العقل لأن البهيمة تشترك مع الإنسان في معرفة ذلك وتتقي ما يسبب لها الهلاك. الشاهد أنه بعد ما أقدمت عليه الأمة من إقصاء الأمير وقتل الزهراء وسم الإمام الحسن والحرمان من هذه النعمة العظمى لم يبق لها في زمن الغيبة إلا اللجوء للأجدر بإدارة الأمة . وهذا ارتكاز عقلائي كما قلنا لا يستدعي الرجوع إلى النصوص الدينية . لكن السؤال: ما هو الطريق العقلائي للتعرف على من يتمتع بصفات القيادة والإنابة عن المعصوم ؟ الكثيرون يعتقدون أن هذا يحصل بالانتخاب العام ، فمن أحرز الآراء الأكثر فهو أصلح . لكن هنا هذا الطريق غير سليم لسببين : 1. أنّ الانتخابات في أكثر البلدان حرية هي معرض للبيع والشراء ، وللإعلام دور كبير في الترويج لأي مرشّح مما يؤدي إلى فوضى فكرية , فضلا عن كون الإعلام قوة تحتاج إلى المال. ومن شروط القائد أنه (لا يُضَارِعَ ، وَلا يُصَانِعُ ، وَلا يَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ) . ثم إن طريق الانتخابات قائم على الديمقراطية الرأسمالية التي يكون القوي فيها وصاحب التأثير هو صحاب الأموال .. هذا الطريق لا يمكن اعتماده في تعيين القائد. 2. أن الناس غير متساويين في تعيين الشخص الذي تتوفر فيه صفات القيادة , مع النظر إلى تأثر عامة الناس بالرضا والغضب , فيمكن أن تكره الناس شخصا أو تحبه من أجل موقف! 3. إن القدرة العلمية والإدارية والعدالة الأخلاقية لا يمكن لسائر الناس تشخيصها، فتحديد المستوى العلمي يحتاج لمختصين , كما أن تشخيص الطبيب الحاذق يقوم به مجموعة أطباء , وكذلك معرفة الخصائص الباطنية تحتاج إلى صاحب وجدان خاص وإدراك دقيق. إذن فالانتخابات ليست ميزانا دقيقا لانتخاب القائد , وكلها لا تعدو أراء ظنية سطحية ، ليست مبنية على علم . أهل الخبرة هم من يحدد الولي الفقيه بعد أن عرضنا أسباب عدم صلاحية الانتخابات العامة لتحديد الولي الفقيه نستعرض الطريقة المثلى , وهي طريقة عقلائية بديهية تتمثل في الرجوع إلى الخبراء . هذا الطريق يعطي صلاحية نسبية واطمئنانا نسبيا للانتخاب، لأن هؤلاء الخبراء عدول , ولديهم قدرة علمية لتشخيص الأعلم، ويمتلكون حكمة في تشخيص مصلحة الأمة ورغبة واقعية في تحقيق هذه المصلحة . لكن لا تنتهي السلسلة هنا , إذ يواجهنا سؤال آخر : من ينتخب هؤلاء الخبراء؟ الحقيقة أن الناس هم من يعين هؤلاء الخبراء, وقد تشكّل مجلس الخبراء في الجمهورية الإسلامية من خلال انتخاب أهل كل منطقة من يثقون به ومن يرونه الأصلح والأجدر . وهذا الأسلوب في الانتخاب تؤيده سيرة العقلاء ومذاق الفقهاء , فالقاضي المنصوب للقضاء يذهب لمنطقة ما لفصل الخصومة , وأكثر ما يستند إليه هو البينة ، أي شهادة العدول , لكنه لا يمكن أن يستند إلى شهادة من لا يعرف , وطريقه للتعرف على الشهود هو من خلال عامة الناس . الرجوع إلى الناس في مرحلة من المراحل هو الطريقة الطبيعية ، وعين هذا الأمر الطبيعي العقلائي هو أساس انتخاب الخبراء . فالناس تنتخب العدول الذين تثق بهم ثم هؤلاء العدول ينتخبون بخبرتهم الولي الفقيه . بالنتيجة فإن للناس دخالة مباشرة في تعيين الولي الفقيه من خلال انتخاب الخبراء الذين يشكلون المجلس الذي ينتخبه ويراقب مسيرته . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ (1) عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام ــ أي الإمام الجواد عليه السلام ــ إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل وكان يتولى الوقف بقم فقال: يا سيدي اجعلني من عشرة آلاف درهم في حلٍّ فإني قد أنفقتها، فقال له: أنت في حل، فلما خرج صالح، قال أبو جعفر عليه لسلام: أحدهم يثب على أموال (حق) آل محمد وأيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم فيأخذه ثم يجيء فيقول أجعلني في حل، أتراه ظن أني أقول لا أفعل والله ليسألنهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالاً حثيثاً. [الكافي ج1ص 352] (2) إشارة لخصائص القائد التي مرت في الدرس الخامس وهي : الاجتهاد – العدالة – الإدارة (3) الخطبة الشقشقية – نهج البلاغة |
|
#2
|
|||
|
|||
|
وجعلته سيدا من السادة – 7 حكم الله يتجلى في زمن الغيبة بولاية الفقيه أقمنا فيما سبق الدليل على أن القيادة ضرورة عقلية و شرعية في زمن الغيبة كما في زمان حضور المعصوم صلوات الله وسلامه عليه. ولا يمكن أن نتصور أن الشارع الذي يهتم بتفاصيل حياة الإنسان ويعيّن له أموره الجزئية جداً كالطهارة وأسبابها ونواقضها أن لا يهتم بقضية مهمة ورئيسية يتوقف عليها حفظ مصالحه الدنيوية والأخروية. إن تصور أن لا يكون هناك نظرية واضحة للحكومة الإسلامية هو اتهام للإسلام , هذا الدين الذي يدعي الصلاحية لإدارة الدنيا والآخرة . بل إن تصوّر أن لا تكون نظرية القيادة في الإسلام بديهية واعتبارها مسألة غامضة تحتاج لإقامة أدلة تخصصية ولا يفهمها إلا الأوحدي من الأمة هو اتهام يضعف الدين , لأنها ضرورة من الضروريات العقلية والاجتماعية التي لا يختلف عليها اثنان ، ولا يقابلها إلا نظرية واحدة سنستعرضها ونرد عليها. النظرية التي تقابل نظرية ضرورة القيادة هي نظرية المدينة الفاضلة , وهي تقول أننا إذا ربينا الناس على مستوى الأخلاق الراقية فسوف يعرف كل منهم حقه وحق الآخر , ونصيبه ونصيب الآخر ، ودوره ودور الآخر ، وبذلك تعيش الإنسانية مدينة فاضلة لا حاجة فيها إلى حاكم ومحكوم بسبب وصول الناس فيها إلى حدّ من العدالة والفضيلة ، بحيث لا يحتاجون إلى وجود مؤسسات تشريعية ولا تنفيذية ولا قانونية. والخلل في هذه النظرية يتمثل في أنها علاوة على كونها خيالا ووهما فهي تفتقر إلى تحديد معايير العدل الظلم، فلا يوجد من يحدد ذلك، وهو ما يمكن أن يكون منشأً للخلاف. وبهذا يمكن القول بأنه لا توجد نظرية معقولة على الصعيد الإنساني في جميع الفلسفات البشرية لا تقول بضرورة وجود قائد حاكم مدبر يجب الرجوع إليه. فضلا عن اعتبارنا – نحن الشيعة - مسألة القيادة والولاية نقطة أساسية نمتاز بها عن بقية المدارس الإسلامية. الدليل الثاني على مسألة ولاية الفقيه - مسألة القيادة والولاية نقطة أساسية نمتاز بها عن بقية المدارس الإسلامية . الدليل الثاني على مسألة ولاية الفقيه : تقدّم الدليل الأول في إثبات نظرية ولاية الفقيه , والذي كان بديهيا وواضحا , واليوم سنعرض الدليل الثاني الذي يستمد قوته ليس من جهة البداهة والوضوح بل من جهة علوّ مكانته , وقيمته العقائدية ومرتبته الكلامية , فمنشأ هذا الدليل كلامي ينطلق من الإلهيات . مفاد هذا الدليل هو أن ولاية الفقيه مسألة عقائدية لا فقهية . ولبيان ذلك لا بد من التفريق بين المسائل الفقهية والكلامية : تنقسم العلوم إلى علوم ترتبط بأفعال الإنسان: ما يجب أن يفعله وما يجب أن يتركه وما هو مباح له ... إلخ . وهذا ما نسميه بعلم الفقه . وهناك علم آخر يرتبط بأفعال الله سبحانه وهو علم الكلام أو ما يطلق عليه الإلهيات والحكمة في مراتبه العالية . وهو يبحث في وحدانية الله سبحانه وتعالى وأفعاله وأسمائه وصفاته الجمالية والجلالية . في المسألة الفقهية يرجع كل مكلّف إلى المجتهد الذي يقلده في الأمور الفقهية , لكن في المسائل العقائدية لا يوجد عندنا تقليد, فالإنسان يجب أن يبحث بنفسه عن أدلتها, وتكون قيمتها في مدى اقتناعه وإيمانه بها . ومن لا يمتلك هذه القيمة العلمية في العقائد فهناك نقص في عقائده ويحتاج إلى تصحيحها . إذا نقحنا الأصول الكلامية لدينا فستتولد مدرسة كلامية تشمل جميع العقائد التي نؤمن بها , ومن ضمنها مسألة القيادة والحكومة . لذا من الأخطاء التي وقع فيها البعض أنه اعتبر ولاية الفقيه مسألة شرعية فرعية وليست مسألة عقائدية كلامية . والحال أن من يقف على كلمات الفقهاء يدرك أنها مسألة عقائدية ، فهي امتداد للإمامة . يقول الشهيد الصدر في كتاب الإسلام يقود الحياة ( وقد امتدت الإمامة بعد عصر الغيبة في المرجعية كما كانت الإمامة بدورها امتدادا للنبوة ) فالسيد الشهيد يعتبر الولاية خطا ممتدا, وكل دليل يجري في مسألة النبوة والإمامة يجري أيضا في مسألة الولاية , فهل يوجد من يقلد فقيها في مسألة النبوة والإمامة ؟!! ولاية الفقيه فعل الله سبحانه يقول الإمام الخميني ( ولاية الفقيه ليست أمرا أوجده مجلس الخبراء إن الله تعالى هو الذي أوجد ولاية الفقيه وهي نفس ولاية رسول الله صلى الله عليه وآله ) ومن خلال كلام الإمام يفهم أن ولاية الفقيه هي فعل الله , أي إن الله هو الذي يبعث النبي أو يعين الإمام إما بشكل مباشر أو غير مباشر . فالإمام المعصوم عندما يعين الفقيه وليا في زمن الغيبة فإن ولايته تكون من قبل الله. ويقول آية الله السيد كاظم الحائري في كتاب الإمامة وقيادة المجتمع: ( إن فكرة الإمامة بما تشتمل عليها من قيادة المجتمع وبما لها من الامتداد في خط ولاية الفقيه لهي فكرة حية حركية واسعة النطاق عميقة الغور وهي تشكل من ناحية مبدأ عقائديا مذهبيا للشيعة يكون حدا فاصلا لتمييز الشيعي من غيره ، وتعبّر من ناحية أخرى عن شكل الحكم لدى الشيعة . ولهذا أصبح بحث الإمامة وبهذا العرض العريض من أرقى الأبحاث الإسلامية و أضخمها وأجلها شأنا وأعلاها ومن أزخرها بالأفكار الإسلامية الرائعة التي بها تحل مشاكل المجتمع الإسلامي ) . إن عبارة السيد الحائري ( وهي تشكل من ناحية مبدأ عقائديا مذهبيا للشيعة يكون حدا فاصلا لتمييز الشيعي من غيره ) تعني أنه كما أن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام تميز الشيعي عن غيره فكذلك مسألة ولاية الفقيه تميز الشيعي عن غيره . فقد تميز الشيعة بولاية الأمير (ع) ثم بقولهم بإمامة الإمام الحسن (ع) فصار الخط أكثر تعينا , ثم قالوا بإمامة الإمام الحسين (ع) ومن بعده حتى زمن الإمام الرضا (ع). وبالوصول إلى زمن الغيبة اشتد التشيع صراحة وحيوية وفاعلية وعمقا وتفصيلا . وولاية الفقيه في زمن الغيبة ليست إلا امتدادا لهذا اللون . ونحن نعتقد أن كل مفردة أو مسألة إسلامية لا تؤتي ثمارها في عالمنا اليوم فذلك بسبب إنكار الولاية , وكل مسألة تؤتي نضجها وثمارها فالسبب هو دخول الولاية فيها . وقد ذكرنا منذ أول البحث أن الشيعة متفقون على أصل ولاية الفقيه والاختلاف في سعة وضيق هذه الولاية فحسب . وإذا قرأنا ولاية الفقيه من الأصول وليس من الواقع الحي ستبدو واضحة وبديهية , ورد في الرواية ( إذا والى الناس الحاكم العادل بدل الله سيائتهم حسنات ) لأن الأصل المهم الأساس هو مسألة الولاية , وهي كما يعبر أستاذنا الشيخ الجوادي الآملي " الولاية كُرّ يطهّر كل ما وقع فيه " . إذن فولاية الفقيه هي جعل من قبل الله سبحانه , وهي في هذا الجانب ذات بعد كلامي عقائدي لأنها امتداد للنبوة والإمامة , ولكن تنفيذ هذه الولاية وتطبيقها من قبل نفس الولي الفقيه أو المكلفين هي حكم فقهي , ولبيان ذلك نقول : بما أن النبوة والإمامة فعل الله سبحانه فيجب على الناس قبولها كما يجب على الإمام كذلك , ولذا القرآن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله ﴿.. وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ.. ﴾ [المائدة: 67] فحتى رسول الله صلى الله عليه وآله هو مبلغ وناقل ومخبر عن الله وليس جاعلا وفاعلا. وللتوضيح : هناك فرق بين شخصية الولي الفقيه الحقيقية والحقوقية , فالولي الفقيه بما هو فقيه يجب عليه أيضا أن يلتزم بولاية الفقيه . بمعنى : لو كان هناك فقيه تتوفر فيه خصائص القيادة وهناك أناس أعلنوا البيعة له ولديهم استعداد للانقياد والطاعة فيجب عليه قبول البيعة . لأن القيادة مسألة كلامية لكن تنفيد هذه المسألة حكم فقهي واجب على الفقيه . حكم الله يتجلى في زمن الغيبة يقول الإمام الخميني في كتاب البيع : ( دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر عجل الله فرجه الشريف، ولا سيّما مع هذه السنين المتمادية ولعلها تطول –لا سمح الله- إلى آلاف السنين والعلم عند الله ). إذا تعاملنا مع دليل ولاية الفقيه باختباره كلاميا عقائديا ولم نعالجه ابتداء من الواقع الخارجي فسيكون واضحا بديهيا , كما هي مسألة العدل تماما ، فإذا فهمنا مسألة العدل من العقائد ثم قرأنا الواقع الخارجي فسوف نرى مسألة العدل واضحة وبديهية جدا ولن يكون هناك أي مبرر لتصور شيء خلاف العدل , وكذلك ولاية الفقيه إذا بدأناها من الإلهيات فسنقرؤها من موقعها الصافي الخالي من الشوش والشبهات . تابعوا آيات حاكمية الله في القرآن الكريم , كم من الآيات التي تحصر الحاكمية في الله سبحانه وتعالى ، ومعنى وجود كل هذه الآيات , وهذا اللسان الحصري الشديد على صعيد كلامي يفيد أن الحكم فعل الله . من تلك الآيات قوله تعالى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ [يوسف:12]، ﴿ .. وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 88 ] ﴿.. أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ..﴾ [الأنعام: 62]. وضوح هذه الآيات ونصيتها وانحصار هذا الحكم في الله سبحانه وتعالى يجعلنا لا نرتاب في أن الحكم فعل الله و شأن الله سبحانه لا يشاركه فيه أحد وكل حاكم لم ينصبه الله سبحانه حتى لو حكم بالعدل فهو طاغوت ولا تجوز إطاعته . ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) تعني الله سبحانه وتعالى له الحكم وهو يحدد الحاكم ، ونحن نعتقد أن كل حاكم لا بد أن يكون إما منصوبا من الله سبحانه وتعالى على نحو التعيين أو على نحو الموضوع ، والذي لا يعتقد بولاية الفقيه بناءً على هذه النظرية التي تتباها مدرسة السيد الإمام والشهيد الصدر وقبلهما الميرزا النائيني فمشكلته عقائدية , أي أن عنده نقصا في التوحيد . يقول الشيخ جعفر السبحاني في كتاب الإلهيات: ( إن التوحيد في الحاكمية من شؤون التوحيد في الربوبية فإن الرب بما أنه صاحب المربوب ومالكه وبعبارة ثانية خالقه وموجده من العدم له حق التصرف والتسلط . . . وعلى هذا فالحاكمية خاصة بالله سبحانه وهي منحصرة فيه ). هذا من جانب ومن جانب آخر إن وجود الحكومة في المجتمع أمر ضروري ، فوجه الجمع بين حصر الحاكمية في الله سبحانه و لزوم كون الحاكم والأمير بشرا كالمحكوم هو لزوم كون من يمثل مقام الإمرة مأذونا من جانبه سبحانه لإدارة الأمور ، و أن تكون ولايته مستمدة من ولايته سبحانه ، فالولاية وحق الحاكمية له سبحانه وعلى ضوء ذلك يجب أن يكون المتمثل بها منصوبا من قبله سبحانه باسمه الخاص أو بوصفه - إلى أن يقول- إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي أن الحاكمية فرع الولاية على المحكوم ولا ولاية إلا لله سبحانه فلا حكومة إلا له ، غير أن تجسيد الحكومة في المجتمع بمعنى الإمرة عليه ليس من شؤونه بل يقوم به المأذون من جانبه إما بالاسم ، أو بالوصف والعنوان كما هو الحال في حق العلماء والفقهاء الذين لهم الحكم والإمرة عند غيبة النبي أو الإمام المنصوص عليه بالاسم وعلى هذا فالحكومات القائمة في المجتمعات يجب أن تكون شرعيتها مستمدة من ولايته سبحانه وحكمه بوجه من الوجوه وإذا كانت علاقتها منقطعة غير موصولة به سبحانه فهي حكومات طاغوتية لا قيمة لها) (1) يتبع
|
|
#3
|
|||
|
|||
|
يبقى عندنا مسألة وهي اختلاف تعيين الولي في زمن المعصوم عنه في زمن الغيبة فالجعل في زمن حضور الإمام يكون بالعنوان الخاص ، فنرى الرسول يرفع يد علي ويعلنه وليا للمسلمين , أما في زمن الغيبة فهو تنصيب بالعنوان العام, أي بعناوين و شرائط عامة تحدد وتعين الولي الفقيه . يقول الشيخ السبحاني في كتاب معالم الحكومة الاسلامية : ( القاعدة الأصلية الرصينة في الفكر الإسلامي تفرض أن تكون حاكمية غير الله مستندة إلى حاكميته سبحانه وموضع رضاه تعالى ، فتكون إما منصوص عليها بالاسم والعين من جانبه تعالى و إما أن تكون موافقة للصفات والضوابط التي نص عليها الكتاب والسنة ، فلا يكفي في شرعية الحكومة والرئاسة مجرد انبثاقها من إرادة الشعب . . . ولذلك لا يمكن أن نصف الحكومة الإسلامية بأنها "حكومة الشعب على الشعب" بل هي "حكومة الله على الشعب" ) هذه الشرائط اعتنى بها الإسلام وحددها بدقة , كيف لا وهو قد حدد معايير من يشغل أدنى مرتبة في تبليغ الدين والإسلام وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:111] هذه المواصفات هي مقدمات و مؤهلات لكي تحرز لنا الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، والحافظين لحدود الله الذين يعرفون حدود الشريعة, وكما وضع الإسلام شروطا للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر , فقد وضع شروطا لمن يتصدى لأمر الحكومة , ومن لا يمتلك هذه الصفات قلنا أنه طاغية ولا تجوز طاعته.
يقول الإمام الخميني (قده) : ( من الواضح أن الحكومة إذا لم تأخذ شرعيتها من الله ومن الشرع المقدس فإن جميع شؤونها ومؤسساتها وأكثر الأعمال المتعلقة بالقوى المقننة والقضائية والتنفيذية سيكون بلا مجوز شرعي ، فإذاً تكون أعمالها مجردة من الشرعية الإلهية فسوف تكون جميع شؤون هذه الدولة طاغوتية ومحرمة ) 2ويقول السيد كاظم الحائري في كتابه المرجعية والقيادة : ( يقام الحكم في النظام الإسلامي على أساس استمداد حق السيادة من الله تعالى ) . ويقول الشيخ جعفر سبحاني في كتاب مفاهيم القرآن : ( فلا يجوز لأحد أن يتولى الحكومة إلا أن يكون مأذونا له ممن له الولاية الحقيقية وإلا أصبحت حكومته حكومة جور وعدوان ) لذا فحين انتخب الناس في إيران أبو الحسن بني صدر قال السيد الإمام : نصبته اليوم كما نصب أمير المؤمنين مالك الأشتر . فمشروعية تنصيبه ليست من أصوات الناخبين – وإن كانت قانونية - بل من إقرار الولي الفقيه . وهذه الشرعية انتفت حين عزله الإمام بعد أن ثبت فساده , ومن هنا تتضح حساسية صلاحيات الولي الفقيه فقد يتحول الإنسان في لحظة من منصّب من قبل جهة شرعي وعمله مقبول من الله سبحانه إلى مسلوب المشروعية . هذه هي صلاحيات الولي الفقيه الممتدة من النبوة والإمامة . يقول الشهيد الصدر في كتاب الإسلام يقود الحياة ( ولم يكن الإمام الخميني في طرحه لشعار الجمهورية الإسلامية إلا استمرارا لدعوة الأنبياء و امتدادا لدور محمد وعلي عليهما السلام في إقامة حكم الله على الأرض ) فالأنبياء هم من قاموا بالمقدمات , وهم من أقنع الإنسانية بهذا المشروع, ثم جاء الإمام و استطاع أن يقتطف ثمرة جهودهم و جهادهم . بعض الأدعية والآيات في ظل القيادة هذا الاتصال بين القيادة والتوحيد يفسر لنا كثيرا من أقوال وأفعال وأدعية أهل البيت في أفق أوسع . من ذلك دعاء الإمام الكاظم عليه السلام الذي قرأه في سجن هارون ( وقد علمت أن أفضل زاد الراحل اليك عزم إرادة يختارك بها , وقد ناجاك بعزم الإرادة قلبي ) السيد الإمام يقرأ الدعاء في أفق الولاية فيقول : الله يقول ﴿.. وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ..﴾ [البقرة: 197] الزاد للمسافر , والذي يرحل إلى الله وبيته وكعبته يتزود بالعبادة , لكن السفر إلى الله لا يقتصر على الذهاب إلى الكعبة بل يمكن أن يذهب الإنسان إلى السجن و يحوله إلى كعبة بعزم إرادته و بصيرورته الروحية . هذه الإرادة تجعله يترك الطاغوت و يختار الله . يقول أستاذنا الشيخ جوادي : لماذا هذا الدعاء في هذا المكان و هذا الوقت؟ هذا يعني أن اختيار الله لا يكون دائما بالصوم والصلاة والأعمال الباطنية فليس هناك انفكاك بين الشريعة وبين الطريقة , لذا يمكن الوصول لله في ضمن الإصرار على تطبيق حاكمية الله وعزم القلب في اختيار الله على الطواغيت وهذا ما فعله الإمام الكاظم باعتراضه على هارون الرشيد فحول السجن إلى كعبة , فكان السجن أشبه برحلة الحج . كذلك يفسر السيد الإمام الخميني هذه الآية في شرح كتاب فصوص الحكم ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ [المائدة: 66] الإمام يقول: هناك ارتباط بين إدارة الأمور وفق الشريعة الإلهية وبين الوصول إلى كنوز السموات و الأرض . إقامة حكم الله تجعل الناس يأكلون من تحت أرجلهم وهذا إشارة إلى الأشياء المادية ومن فوقهم أي من عالم الغيب إشارة إلى الأمور المعنوية , وقد ورد عندنا في الروايات تفسير الأكل بالعلم والمعرفة . الغرض أن مراد الإمام هو أنه لا يوجد انفكاك بين حاكمية الله و نزول هذه البركات المادية والمعنوية . وكل هذا مأخوذ من مقوله الإمام الحسين عليه السلام ( لَو لم يَكُن في الدنيا مَلجَأ ولا مَأوىً لَمَا بَايَعتُ يَزيد ) وذلك لأن بيعة يزيد تجسيد للشرك بالله , ليس بمعنى الشرك الذي نفهمه بل بمعنى عدم حاكمية الله , فإذا اتسعت قيادة يزيد ونفذت في كل مكان ، ولم يبق مأوى إلا وفرض يزيد ولايته فيه , ولم يعد للإمام الحسين منطقة حرة آمنه لم تتمدد فيها دولة يزيد فهو (ع) لا يمكن أن يدخلها وسيقاوم حتى يقتل . و لا شك أن ما قام به الإمام (ع) هو محض التوحيد , فقد محض التوحيد محضاً و أثبت أن الحاكمية لله وحده . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ (1) جعفر السبحاني - الالهيات 76/2 (2) صحيفه نور 17/123 |
|
#4
|
|||
|
|||
|
سيدا من السادة - 8 مناقشة مختصرة لنظرية الشورى (اَللّـهُمَّ إنّي أشْهَدُ اَنَّهُ وَلِيُّكَ وَابْنُ وَلِيِّكَ وَصَفِيُّكَ وَابْنُ صَفِيِّكَ الْفائِزُ بِكَرامَتِكَ، أكْرَمْتَهُ بِالشَّهادَةِ وَحَبَوْتَهُ بِالسَّعادَةِ، وَاَجْتَبَيْتَهُ بِطيبِ الْوِلادَةِ، وَجَعَلْتَهُ سَيِّداً مِنَ السادَةِ، وَقائِداً مِنَ الْقادَةِ، وَذائِداً مِنْ الْذادَةِ). بعد أن استعرضنا أهم الأدلة الكلامية على ولاية الفقيه في زمن الغيبة لبداهة الدليل الأول وسهولته , وعلو مقام الدليل الثاني وأهميته , نستعرض الآن النظرية الثانية التي ربما تأتي في الأهمية -من حيث المدعى- كخيار بديل عن نظرية ولاية الفقيه , وهي نظرية الشورى . ما هي نظرية الشورى؟ أصحاب هذه النظرية يقولون أننا لا نقبل بأن الشارع يرضى بالفوضى وعدم النظام في زمن الغيبة , ولا نقبل بأن الشارع قد ترك الناس مهملين، لكن ليس لدينا دليل على أن الموقف الشرعي ينحصر في مسألة ولاية الفقيه . لذا نحن نذهب إلى نظرية أخرى. أدلة نظرية الشورى : يستدل أصحاب هذه النظرية على مسألة الشورى بآيتين من القرآن هما قوله تعالى ﴿.. وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ..﴾ [الشورى: 38] وقوله تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 59]. الدليل في الآية الأولى/ أن الآية جاءت في مورد المدح للمجتمع الإسلامي , والجملة وأن كانت إخبارية لكنها تفيد الإنشاء. فعندما يمدح القرآن المؤمنين مثلا فهو يخبر عنهم بقوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:1-2] هذا الإخبار والوصف يستبطن الإنشاء ويريد: كونوا في صلاتكم خاشعين. والأمر كذلك في الشورى , فحين يمدح القرآن المجتمع الإسلامي بأن أمرهم شورى بينهم فهو يدعوهم إلى اتخاذ هذا المنهج , خصوصا مع ضم الآية الثانية إليها ، التي تأمر صراحة بالمشورة (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ). الدليل في الآية الثانية/ أن لفظ الأمر يمكن أن يشمل كل شيء , فكلمة أمر تفيد العموم، وعندما يأمر الله سبحانه رسوله بمشاورة المسلمين في الأمر –مع إطلاق هذا الأمر- فهذا يعني شاورهم في كل الشؤون بما فيها أمور الحكومة والقيادة. مناقشة الأدلة: الأدلة السابقة تريد الوصول إلى عدم انحصار شكل الحكومة في زمن الغيبة بولاية الفقيه وتطرح نظرية الشورى , إلا أن هذه الأدلة لا تصمد أمام النقاش العلمي. مناقشة الآية الأولى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) إذا كانت الآية في مقام المدح والثناء على تركيبة المجتمع الإسلامي وأخلاقياتهم وأن أمرهم شورى فيما بينهم , فلنا أن نسأل: هل إن القيادة من أمرهم أو من أمر الله سبحانه وتعالى؟ والجواب: لقد أوردنا الأدلة في المحاضرات السابقة على أن شأن الولاية والحكومة ليس من شؤون الناس , بل من شؤون الله سبحانه وهي جعل إلهي من أمر الله ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ [ص: 26]. وهناك فرق بين الأوامر التي تتعلق بالناس ، والأمور التي تتعلق بشأن الأفعال الإلهية. ثم إن تعيين القيادة فعل الله سبحانه وتعالى، وهنا نسأل: هل يمكن أن يكون الأمر شورى في ما هو مختص بالله سبحانه؟ لقد أوردنا الأدلة -فيما سبق- على أن شأن الحكومة هو شأن إلهي ، بل إن الأمر ليس ذلك فحسب فحتى القيادة الخاصة في مسائل الحروب يعتبرها القرآن جعلا إلهيا , يقول سبحانه وتعالى عن حرب طالوت وجالوت ﴿.. إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا.. ﴾ [البقرة: 246] فمع أنها حرب مؤقتة لكن اختيار القيادة كان إلهيا , لأن القيادة من الأحكام الإلهية وزمامها بيد الله سبحانه وتعالى وليست من أمور الناس. من جهة أخرى هناك قاعدة أصولية تقول: (لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية) ومعنى ذلك أن الشارع إذا أصدر أمرا وشككنا في انطباقه على المصداق فلا يجوز أن نتمسك بذلك الأمر. ولنوضح بمثال، عندما يقول الشارع: توضأ بالماء الطاهر , فهذا أمر ، فإذا شككتَ في السائل الموجود في الخارج هل هو ماء أو ليس بماء فلا يجزي أن تتوضأ به . الوضوء بالماء الطاهر حكم عام لكن لا يمكن إجراؤه على مصداق مشتبه فيه. الآية هنا تقول: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) وهذا حكم عام، لكن مسألة الحكم والقيادة – مع افتراض عدم الأخذ بالأدلة الكلامية – هي مسألة نشك فيها هل هي من أمر الله أم من أمر الناس , فالمسألة فيها شبهة مصداقية , فلا يجوز أن نجري عليه الحكم العام المطلق في الآية. مناقشة الآية الثانية: 1. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159] بالنظر إلى سياق الآية سنلاحظ أنه لا يجري في سياق الحكومة , بل في سياق الحديث عن واقعة أحد , وتحدد هدف المشركين من هذه المعركة الذي يتمثل في القضاء على قيادة الدولة الإسلامية وتحكيه الآية ﴿مَا كَانَ لأَهل المَدينَة وَمَن حَولَهم مّنَ الأَعرَاب أَن يَتخلّفوا عَن رَّسول اللّه وَلاَ يَرغَبوا بأَنفسهم عَن نفسه﴾ [التوبة: 120] والسورة تتكلم عن أغراض حرب المشركين للمسلمين: الغرض الأول: القضاء على الدولة الإسلامية , والغرض الثاني: القضاء على قائد الدولة الإسلامية رسول الله صلى الله عليه وآله. في هذا السياق يكون الحديث عن الأمر ، فالآية في سياق الحديث عن الدولة الإسلامية والحاكم الإسلامي ، إذ لا يوجد أمر أهم من ذلك. 2. الآية في معرض الحديث عن أخلاقيات رسول الله (ص) وبيان شمولية رحمته بدليل أنها بدأت بالجار والمجرور الواقع في محل نصب المفعول والحال أن محله التأخير ، (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ) والتقدير: لِنت لهم برحمة الله ، والغاية من التقديم تعظيم هذه الرحمة المحمدية التي تعد أكبر نعمة على وجه الأرض لذا تتقدم , فهي بعد أخلاقي من شخصية رسول الله صلى الله عليه وآله. 3. الأمر بالشورى في الآية واقع في سياق مجموعة من الأوامر (فاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) ثم قال (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ﴾ وإذا افترضنا أن الأمر هو الحكومة فالآية تقر أن ذلك متوقف على عزم رسول الله لا على الشورى . الشورى صفة من صفات القيادة بعد مناقشة هذا الدليل واتضاح أن الأمر بالشورى في الحكومة ترده عدة أدلة لنا أن نتساءل: ما هو معنى الشورى هنا وما هو موقعها؟ الشورى هنا تعطينا خصوصيات القائد، خصوصا مع ما قلناه من أن هذه الآية نزلت في معركة أحد ، بعد أن فر المسلمون وتركوا رسول الله (ص) وحيدا فريدا ، الآية التي نزلت قبلها تقول ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ وأكبر كبيرة يمكن أن يقوم بها الإنسان هي أن يفر من الزحف ويترك رسول الله (ص) منفردا . الدفاع عن رسول الله أوجب من الدفاع عن الكعبة وأوجب من الدفاع عن الدولة الإسلامية لأنه لا تقام الدولة دونه. جاءت الآية تبين لنا تعاليم القرآن لرسول الله في كيفية تعامله (ص) مع ذنب هؤلاء ، ودور هذا التعاطي النبوي في تنمية الاستعداد وترقية المجتمع. (فَاعْفُ عَنْهُمْ) لأنك فيض الرحمة الإلهية . والعفو هنا مقابل القصاص فهم كانوا يستحقون القصاص , ثم يقول (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) لتمحو الأثر التكويني لخطيئتهم , فالقصاص مجرد فعل قانوني لا يمحو الآثار التكوينية للخطيئة في نفس المجرم , لكن استغفار رسول الله (ص) يفعل ذلك . ولا شك أن هناك فرق بين استغفار رسول الله لنفسه واستغفار الإنسان لنفسه , فحين يستغفر لنفسه قد يقبل استغفاره وقد لا يقبل , لكن استغفار رسول الله يحقق المغفرة لا محالة لأن الآمر كامل والمأمور أيضا كامل . وفي هذا السياق الذي يعالج به رسول الله خطيئة هؤلاء تقول الآية (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) وهذه مرتبة ثالثة في العلاج تتمثل في إعادة بنائهم الاجتماعي , فمشاورتهم تعني إعطائهم موقعا ومكانة اجتماعية . لأن الخطيئة تسبب السقوط الاجتماعي بل حتى سقوط المذنب عند نفسه ، والشورى تعيد هذا البناء النفسي والاجتماعي للمجرم بعد العفو والاستغفار. من هنا تبين أن أهمية الشورى ليست في أصل الحكم وانتخاب القائد، بل في بناء التركيبة الاجتماعية . وذلك لأن الشورى : (1) تقرب بين الأفكار والقلوب . (2) تعطي المستشار موقعية اجتماعية وتنفخ فيهم روح الإحساس بوجودهم وحضورهم . (3) تحقق نوع من التحرز عن الوقوع في الدكتاتورية والاستبداد بالرأي . (4) تعطي المستشار نوعا من السلامة النفسية واعتدال المزاج , وتخرجه من الفهم العرفي المحلي وتعطيه مهارة التعمق في قراءة الأمور. (5) تعطي المستشارين نسبة من الاشتراك في القرارات التنفيذية الذي يجعل لهم نصيبا من تحقيق أي نصر أو إنجاز؟ إذن (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) أي استخرج إمكانيات وطاقات كل واحد منهم , فأصل الكلمة في اللغة تستخدم في استخرج العسل , فإذا شاور رسول الله أصحابه فهو يستخرج عسلهم من حكمة و بصيرة ووعي ويكون رأيه (ص) ورأيهم نورا على نور . إذن المشورة إبراز الاستعدادات و التمرين عليها وإعلاء سقف الفطنة والفهم ، وبناء هذا الاستعداد سببه رحمة رسول الله (ص) (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ). ثم تقول الآية (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ). قبل شرح هذه الآية سأقرأ لكم بشكل سريع جداً صفات أحد القادة المعاصرين كما جاءت في دراسة لهذه الشخصية من قبل مركز دراسات لتحليل شخصيات القادة: الصفة الأولى: المبادرة في سبيل الله لخلق الفرصة والخيارات للجهاد في سبيل الله. وهذه صفة مهمة جدا , فأغلب الناس ينتظرون من يخلق لهم فرصة ويضعهم في ظرف الإحساس بالمسؤولية أو أداء الدور. الصفة الثانية: إظهار الشعائر الدينية. فرغم كون هذا الشخص قائدا عسكريا كبيرا ، لكن لو تطلب الأمر أن يقرأ النعي في مصيبة الحسين أو أن يفعل اي شيء في هذا المجال فهو حاضر وفعال وهذه هي الرسالية التي تعني أداء الدور الذي تحتاجه المرحلة . الصفة الثالثة: اللين , حتى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيناقش الضالين بأسلوب فيه مزيج من الثقافة والذكاء والحب والدعابة حتى استطاع استقطاب خصومه فضلا عن محبيه. الصفة الرابعة: الحزم والشدة والشجاعة في اتخاذ القرارات في ضوء هذه الخصائص التي تجسدت في قيادة قريبة منا وفي أوساطنا دعونا نقرأ الآية (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) سنرى أن القيادة الناجحة في الحقيقة لا تنظر إلى أمر يردها عن عزمها , وإذا وصلت إلى الرأي فلا تتردد في إمضائه. بعد هذا الاستعراض تبين أن الشورى ليست في معرض الحديث عن تعيين القيادة , بل هي سلوك قيادي يبني الأتباع , وصفة من صفات القائد الواقعي , وأن الآيات تتكلم عن أخلاق هذه القيادة ورحمتها وموقعها ، وهذا الذي كان يلمسه جميع المسلمين. |
|
#5
|
|||
|
|||
|
سيّدا من السادة (9) صفات مجتمع الولاية بعد إقامة الدليل على ضرورة وجود القيادة في زمن الغيبة بطرح نظريتي ولاية الفقيه والشورى باعتبارهما النظريتان المعتمدتان في البحث العلمي؛ يضيف البعض نظرية شورى الفقهاء , وسنتناولها بشكل موجز : ربما تسميتها (رؤية) أكثر دقة من تسميتها (نظرية). لأنها من جهة ولدت كرؤية بسبب حدوث بعض الملابسات الجديدة ، ومن جهة أخرى ليس لها عمق تاريخي كولاية الفقيه والشورى . تنص نظرية شورى الفقهاء باختصار على أن لكل فقيه جامع للشرائط مقدارا من ممارسة القيادة . لكن أول ما يواجه هذه النظرية هو آلية تطبيقها . فعلى سبيل المثال في الجمهورية الإسلامية وحدها هناك أكثر من ألف مجتهد , فهل من الممكن أن يكون هناك مجلس لشورى المراجع !! ومن الذي سيكون صاحب الرأي الأخير. القائد يجب أن يكون مطاعا , وتكون له الكلمة الفصل , وقد مرّ بنا من خلال الطرح القرآني وما هو مرتكز عليه عند المتدينين -وخصوصا عندنا كشيعة– أنه لا يجتمع إمامان في مكان واحد -ونعني الإمامة بالمعنى الأعم- فالحسنان عليهما السلام – مثلا – كان كلاهما يمتلك كفاءة القيادة والكمال، مع ذلك كان الإمام هو الحسن والحسين مأموم . الوصايا العملية المنتزعة من البحث بعد البحث في القيادة ونظرياتها وصفات القائد لا بد من الوقوف على الطرف الآخر وهو المقود والمتّبِع فهناك مواصفات معينة تؤهل المجتمع للإمامة وفعلية الانقياد، وبها يمكن أن نسمي ذلك المجتمع (مُتّبِع). هذه الخصائص تؤهله ليكون وسطا بين الإمام وبين سائر الأمم الإنسانية ، التي بعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها. صفات المجتمع المنقاد (الموالي) يصف الله المجتمع المنساق للقيادة (الموالي) بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ...﴾ [التوبة: 71] فأهم مواصفات هذا المجتمع هي: أولا الولاية: توضح الآية أن ما يشكل عقيدة المؤمنين هو اعتقادهم بالولاية (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ). والآية تتحدث عن ولاية وأمر ونهي وطاعة وانقياد، ولكن ليس بين القائد والأتباع، وإنما بين المؤمنين وبعضهم البعض. أي أن هناك ولاية طولية هي ولاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو المعصوم أو المجتهد الجامع للشرائط في زمن الغيبة ، ثم ولاية عرضيه بعضهم أولياء بعض, وممارسة هذه الولاية هي أشبه بالعبادة الجماعية، فمثلها مثل صلاة الجماعة المتقومة بركنين، الأول الحضور في الجماعة ، والثاني أداء الصلاة جماعة ، وعظمة ثواب صلاة الجماعة بسبب روح الانقياد الجماعي. هذه الولاية تعني زوال كل ما هو قشر ظاهري كالذكورة والأنوثة, والفقر والغنى ... فقيمة الإنسان بإنسانيته وإيمانه واعتقاده , والمعيار والمدار هو الانقياد للتوحيد والقيادة الحقة. والأصل في الولاية إنما هو آتٍ من ولاية المعصوم التي هي من ولاية الله سبحانه وتعالى وهي منقسمة إلى ثلاث مظاهر: 1- ولاية المحبة أول علامات المؤمنين الذين قد حققوا فعلية الانتساب إلى ولاية الولي الحق المنصوب من قبل الله هي المحبة وإزالة الكراهة والبغض، وهي أول مرتبة من مراتب الولاية , وهي علاقة ساخنة تجمع الجميع وينسجم فيها الجميع لأن جوهر المحبة واحد ﴿... وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ...﴾ [الحجرات: 7] الإيمان هو الجوهر الذي يجمعهم ويربطهم ويزينهم، وهو سر الانجذاب و التلاحم والمحبة فيما بينهم . وحين نقرأ في الدعاء " اللهم املأ قلبي حبا لك " فهو طلب أن لا يكون هناك فراغ لم يمتلئ بمحبة الله ، لأن أول آثاره ألا يحب من حوله من المؤمنين ولا يرى نفسه مسؤولا عنهم . هذا يعني أن قلبه لم يمتلئ بالتوحيد. 2- ولاية النصرة لا يقوم مركّب المجتمع الموالي إلا بالتناصر ، أي أن يكون كلٌّ نصير للآخر ويكون بعضهم في عرض بعض، وبها تسقط كل المظاهر . وإنما كانت النصرة بعدا من أبعاد الولاية لأن طبيعة المجتمع الولائي هي الانقياد إلى الولاية، وللولاية مشروعها الكبير الذي يقتضي الدفاع عنه، ولذلك كانت المرحلة الثانية من الولاية هي مرحلة النصرة، وأي مجتمع يكثر فيه المحتاجون لنصرة مادية أو معنوية يجب أن يتأمل في مسألة صلاحيته للانقياد والولاية . 3- ولاية الحكومة يعني أن يرضى ذلك المجتمع بولاية الأفضل والأجدر والأكفأ فيها , وهذا ثابت عندنا في الفقه , فإذا تولى الحاكم العادل وجب على جميع المسلمين طاعته سواء كانوا من مقلديه أم لم يكونوا , وإذا كان هناك حكومة عادلة فيجب أن يكون هناك ولاء لها ، ويكون الناس معنيين بالدفاع عنها , وهذا الانتماء ليس مدعاة ليعاب به الموالون لأنه ضمن مسألة عقائدية وليس له أي دخل بالوطنية. الصفة الثانية من صفات المجتمع المنقاد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المفترض أن يقوم جميع أفراد المجتمع المنقاد بهذه العبادة الجماعية، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ومثلما أن لصلاة الجماعة روح ونفس جماعي فإن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل ذلك. المجتمع الموالي ينفر من المنكر من باب الحصانة والشعور بالمسؤولية ، وأي مجتمع يأنف من ممارسة هذه الوظيفة فهذا كاشف عن نقص في مقدار كأس الولاية عنده, وهو دلالة على أن هذا المجتمع لم تنتشر فيه روح الولاية , لأن روح الولاية تجعل الإنسان دائما يبحث عن الصيرورة إلى الأكمل ، و ميزة المجتمع الإيماني هي تأثير روح الفرد في صلاح المجتمع . إن مبدأ الحركة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الوسط الاجتماعي هو كونها وظيفة اجتماعية متكاملة وليست فردية ليمكن حصرها على نحو الأمر والتأديب أو على نحو الرجاء والالتماس ، الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في المجتمع الإيماني هو وظيفة واجبة كالصلاة ، يؤديها العالم بعلمه والكاتب بكتابته والشاعر بشعره والمتمكن بإمكانياته مادية أو معنوية , وهذا المقدار من الشعور بالمسؤولية كاشف عن مقدار كبير من الصيرورة الروحية والعلمية , لأن المجتمع الذي لا يشخص المعروف والمنكر, ولا يعرف كيفية ممارسة وظيفته فكيف له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ المجتمع الموالي مشغول بقراءة الواقع لكي يتمكن من تشخيص المعروف والمنكر , ولذلك يعزو المفسرون مجيء الفعل في الآية بالمضارعة (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) إلى استمرار ذلك , لأنها ليست وظيفة مقطعية تؤدى في ظرف معين وتنتهي . ثم إن وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي وظيفة انتمائية , لأنها تتناغم والانتماء إلى التوحيد ، كما الولاية والإمامة اللتان هما امتداد للتوحيد و شأن من شؤونه ، ولا يمكن لإنسان أن يكون موحدا في آن وليس كذلك في آن آخر , وإنما يجب أن يكون الإنسان –عمليا- دائما في حال توحيد، و مظهر التوحيد و إفرازاته -إن صح التعبير- هي في تحمل المسؤولية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ذلك المشروع الكبير الذي يجب أن يُحفظ بما فيه من الإحساس بالمسؤولية. إن قراءة المعروف والمنكر ومعرفتهما وتشخيصهما وتحديد حاجات المؤمنين وسدها ، ويجب أن يؤدى لينتهي المجتمع إلى الاتحاد في اللحمة والوحدة مقابل المنافقين الذين ينهون عن المعروف ويأمرون بالمنكر والبعيدين عن الولاية. الصفة الثالثة من صفات المجتمع المنقاد/ إقامة الصلاة: إقامة الصلاة هي الفرق بين المؤمنين والمنافقين ﴿...نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ...﴾ [الحشر: 19] الصلاة معراج المؤمنين وانقطاعهم إلى الله تعالى , لكن الصلاة في سياق الآية ليس المراد بها صلاة الفرادى , وإنما هي وظيفة إقامة الصلاة جماعة ، التي نفذت فيها الروح الاجتماعية في معراجها. فكما أن الاقتدار في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اقتدار علمي , فإن الحفاظ على اللحمة والوحدة دائما وما لها من آثار سياسية واجتماعية لا تتحقق إلا بإقامة الصلاة الجماعية، وهي وظيفة روحية. يقول أستاذنا الشيخ الجوادي: لم يرد عندنا في القرآن (الذين يصلون) أو (صلوا) لأن هناك فرق بين إقامة الصلاة وبين الصلاة، فالصلاة عمود الدين وبها قوامه، وإذا كانت الصلاة غير قائمة وكانت مجرد ذكر يذكره الإنسان فإنها لن تخيف عدوا (1)، قيمة الصلاة في قوام المجتمع الإسلامي الذي يحفظ بصلاته كل آثار السيادة. وثمّة أمور تسلب الإنسان السيادة والقيادة كالغيبة والبهتان والكذب والنميمة والغش، تلك الأمور الأخلاقية التي نتعامل معها على أنها محرمات بسيطة بالإمكان أن نستغفر عنها، والحال أنها أول هادم لسيادة وقيادة أي مجتمع . فليست مشكلة المجتمع الأساسية مادية بل هي أخلاقية ، وقد شددت الروايات على مسألة الكذب والبهتان والغيبة والاستخفاف بها ، ولذلك ورد في الروايات استحباب أن يقوم المؤمن للمؤمن إذا أعطاه وأن ينظر إلى وجهه، وأنه إذا تلاقى المؤمنان فإن أقربهما إلى الله سبحانه وتعالى هو أكثرهما حبّا لأخيه. هذه الروايات ما جاءت لتعلمنا أصول التعامل الاجتماعي فحسب بل ليكون الواحد منا سيدا وليعلم أن غيره مثله كذلك له حرمته عند الله . الصفة الرابعة من صفات المجتمع المنقاد/ إيتاء الزكاة (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) فكل حياتهم وشيجة متداخلة (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ). هذا القرب في كل جوانب حياتهم , أما في عملهم فهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وأما في عبادتهم فصلاتهم جماعية ، والصلاة هي التي تدفع هذه النقائص وتزيلها ، وأما في إمكانياتهم المادية فهم منسجمون ومتحدون وأموالهم لها جهة ولها مشروع تتجه باتجاهه. المجتمع المنافق هو المعارض للقيادة : في مقابل المجتمع الموالي هناك خصائص للمجتمع الساقط عن الاستعداد للقيادة ، والصف المعارض للقيادة الحقه وهو المجتمع المنافق . والنفاق في القرآن لا يطلق دائما على النفاق الأخلاقي بل غالبا ما يقصد به معارضة القيادة . وفي وصف ذلك المجتمع يقول تعالى ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 54] فمن أبرز صفات المنافقين هي أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى , و ليس المقصود بالكسل هنا ما يقابل النشاط والرغبة في العبادة, لأن المنافق أصلا لا يعتقد بالله حتى يعيش حاله النشاط أحيانا وحالة الكسل الروحي أحيانا أخرى ، هذه الحالة تصيب المؤمن ، فهو مع العبادة في إقبال وإدبار , وهذه حالة طبيعية في المؤمن . ولكن المراد في الآية تفصيل لقوله ﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: 13] لأن محركهم للصلاة الخوف منكم , ودافعهم هو أن يوهموا النبي والمسلمين أنهم داخل الدائرة الإسلامية لينالوا بعض المناصب والمصالح فهم مضطرون للالتزام بهذه القشور والظواهر ويأتون بها مرغمين . إذن فأصل النفاق ومنشؤه هو عدم الانقياد والتسليم المطلق للقيادة الإلهية ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67] فبينما المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، نجد المنافقين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويخادعون الله ورسوله. |
|
#6
|
|||
|
|||
|
المجتمع الموالي يتميز باتّباع القيادة:
يقول تعالى في سياق الحديث عن المجتمع الموالي: (وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ) وجود الطاعة والانقياد كاشف عن سلامة هذا المجتمع ، وكاشف عن أن هذا المجتمع وصل إلى صيرورة يستحق بها أن يوصف بالمجتمع الولائي , المجتمع المتّبع . ما حدث في المجتمع الإسلامي وأدى إلى كثير من الكوارث وأوضحها كربلاء هو تمزق هذه الروح الجماعية وعدم الإحساس بالمسؤولية وعدم الشعور بتفاقم المنكر ووجوب الأمر بالمعروف، وهو الأمر الذي من أجله أراد الحسين صلوات الله عليه وعلى آله أن يرتق فتق المجتمع ، وأن يعيد فيه اللُحمة والمحبة والانسجام ، فكان أن جمع القلوب حول مصيبته كأنها سبيكة واحدة . للامانة منقول من شبكة والفجر تم البحث بحمد الله |
![]() |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| 1436, ام عباس, بحث, سيدا, قائدا |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|