|| منتديات حوزة بنت الهدى للدراسات الإسلامية ||  

العودة   || منتديات حوزة بنت الهدى للدراسات الإسلامية || > || الأقسام الثقافية || > متابعات

« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: نموذج اسئلة المسائل المنتخبة (تابع أحكام المعاملات) الفصل الدراسي الثاني 1446 هـ (آخر رد :amani najjar)       :: نموذج اسئلة دروس في علم الأصول (الحلقة الثانية من البداية الى الأمر والنهي) 1445 هـ (آخر رد :amani najjar)       :: نموذج اسئلة دروس في الأصول ( الحلقة الأولى ) عام 1445 هـ (آخر رد :amani najjar)       :: فلسفة سابع (العلة والمعلول) ف١ لعام (1442ه-2020م) السنة الدراسية: سنة سابعة/ ال (آخر رد :abeer abuhuliqa)       :: نموذج اختبار منطق سنة ثانية (آخر رد :ام يوسف)       :: نموذج احتبار فقه سنة ثانية (آخر رد :ام يوسف)       :: نموذج اختبار بداية المعرفة (آخر رد :ام يوسف)       :: نموذج اختبار سنة ثانية منطق (آخر رد :ام يوسف)       :: نموذج اختبار سنة ثانية (آخر رد :ام يوسف)       :: نموذج اختبار (آخر رد :ام يوسف)      


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-03-2014, 03:53 PM
فاطمة الجشي فاطمة الجشي غير متواجد حالياً
Member
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
الدولة: الجبيل
المشاركات: 47
افتراضي القيادة الصالحة جعل إلهي (2)

وجعلته سيدا من السادة وقائدا من القادة - 2

القيادة الصالحة جعل إلهي (2)

قلنا أن حديثنا سيكون حول خصائص القيادة وضرورة وجود القائد في كل زمان ومكان. وقلنا أنه قبل الدخول في تفاصيل ذلك لا بد من بيان وتوضيح ثلاثة مفاهيم هي: الجعل - السيادة - القيادة. وقد فصلنا الحديث حول (الجعل)، وسنتمّ الحديث حوله أيضا في هذه الجلسة.

الجعل كمال وترقّ في شقّي الصلاح والفساد
ذكرنا أن الجعل هو: صيرورة معنوية وتحول وانقلاب وترقٍ وكمال في أصل الأشياء وذكرنا الجانب الكمالي في هذه الصيرورة.
على أن هناك فرق بين استخدام مصطلح الكمال بالمعنى الفلسفي واستخدامه بالمعنى العرفي ، فالكمال في المعنى العرفي يُفهم منه النمو الإيجابي في جانب الفضائل, أما الكمال بالمعنى الفلسفي فيعني وصول الشيء إلى هدفه. وهذا يعني أنه يشمل – أيضا- جانب التسافل والفساد.

فكل الموجودات-وفق المباني الفلسفية- مشمولة بنظام الحركة الجوهرية، ولذا حتى الانحدار إلى الدركات السفلى هو – أيضا- وصول إلى الغاية والهدف. في ذلك يقول الله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ ﴾ [القصص: 41]. فالمنحرف يهدف إلى الوصول إلى اللذة والجبروت والسلطة وهذا بالنسبة إلى مقصودة تكامل، والجعل في الآية السابقة ناظر إلى هدف أولئك. فإذا ما امتلأ الإنسان بالقوة السبعية والحيوانية وصار قلبه أقسى من الحجارة فإنه قد وصل إلى صيرورة يتسافل بها ويصبح إماما إلى النار.

وورد الجعل أيضا في قصة نبي الله إبراهيم : ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 53] فقد كانت للأصنام في نفوس المشركين موقعية ليست هي موقعيتها الحقيقية، لذا جعلها خليل الله جذاذا وحولها إلى حقيقتها الواقعية وذلك بتحطيمها ليسلب من النفوس حالة القدسية الوهمية لها.

ومنه أيضا ما جاء في دعاء عرفه (لَا تَذَرْنِي فِي طُغْيَانِي عَامِهاً، وَ لَا فِي غَمْرَتِي سَاهِياً حَتَّى حِينٍ، وَ لَا تَجْعَلْنِي عِظَةً لِمَنِ اتَّعَظَ، وَ لَا نَكَالًا لِمَنِ اعْتَبَرَ... وَ لَا تَجْعَلْنِي لِلظَّالِمِينَ ظَهِيراً، وَ لَا لَهُمْ عَلَى مَحْوِ كِتَابِكَ يَداً وَ نَصِيراً، وَ حُطْنِي مِنْ حَيْثُ لَا أَعْلَمُ حِيَاطَةً تَقِينِي بِهَا..).

لكن سياق حديثنا لن يتناول هذا الجانب من الجعل, بل سيتناول الجعل الإلهي في جانب الكمال الإيجابي الذي يساوي السعادة والفوز والشرف والرفعة.

الجعل في حركته التكاملية نوعان
- جعل الفرد. - جعل الأمة.

1- جعل الفرد: كما الإمام الحسين صلوات الله عليه ، على ما ورد في نص زيارته (وَجَعَلْتَهُ سَيِّداً مِنَ السادَةِ، وَقائِداً مِنَ الْقادَةِ), وكما في قول الله لنبيه داوود عليه السلام: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26].

بمقتضى ربوبية الله وحاجة الناس للحاكم فإن الله يختار وينتقي من خلقه أفرادا لهم امتيازات خاصة ثم يضفي عليهم كمالا إضافيا ليكونوا خلفاء ويحكمون بين الناس بالحق.

والناس من حيث الأصل مسلطون على أنفسهم وأموالهم وهذا من حكمة الله (1)-لأن طريق الكمال اختياري وانتخابي- وفي الأصل لا حاكمية لأحد على أحد، ولكن الإنسان يحتاج إضافة إلى هذه الذخيرة والرأسمال الأساسي (العقل- الإدراك – التجربة ..) التي وهبه الله إياها إلى راس مال إضافي هو (الجعل) الإلهي. فعندما يجعل الله داوود خليفة للناس يحكم بينهم بالحق، فإنه قد جعل له علاوة على رأس ماله الأصلي نورا إضافيا وقدرة على التشخيص وتحديد المصلحة. هذا ما يعنيه الجعل الإلهي للفرد.

2- جعل الأمة: وهو مورد حديثنا، ومعناه إضافة كمال وشرف ورفعة للأمة. يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143].

هذه الآية من الآيات المهمة في الدائرة الكلامية والعقائدية والفقهية, وهي تتكلم عن جعل استعدادي تشريفي معنوي تعظيمي للأمة لا للفرد وعلى ذلك أدلة:

الدليل الأول: الدليل اللفظي في قوله (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) فـ (ذلك) في اللغة العربية إشارة إلى البعيد، فالله – مثلا- حينما يريد أن يتكلم عن القرآن الذي نقرؤه بين أيدينا يقول: ﴿ذَلَك الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] و يشير بـ (ذلك) إلى تلك المعاني والمطالب الراقية في القرآن ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: 4]. و(كذلك) التي وردت في الآية فيها نفس النكتة فهي تشير إلى العالي المرتفع (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ)أي أنه جعْل رفيع عالٍ وبه كرامة وتشريف وترقٍّ للأمة، كما أن الشروع بها يشير إلى جعل مرتبي في درجة رفيعة.

الدليل الثاني: السياق الذي نزلت فيه الآيات، فإننا نجد الحديث في عامته عن خصائص هذه الأمة. فالآيات السابقة كانت عن نبي الله إبراهيم وبنائه للبيت المشرّف، ودعائه أن يجعل البيت مثابة للناس وأمنا، وأن يجعل مقام إبراهيم مصلى، إلى أن صارت الآيات إلى قول تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ..﴾ [البقرة: 144] وإنما قال يرضاها رسول الله صلى الله عليه وآله لأنه كان يولي وجهه في السماء باحثا عن قبلة يرضاها، فلم تكن قبلة بيت المقدس مرضية عنده، لأنها ليست بمستوى طموحه لهذه الأمة، وتحويلها هو استجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام.

هذه الأبعاد وهذا الطموح النبوي لم يكن معلوما لدى السفهاء, لذا قال القرآن ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 142] السفيه هو سخيف العقل والفهم، والخفيف في ردود أفعاله وهذا لن يفهم الفضيلة والملاك الذي من أجله تغيرت القبلة، وسيستشكل على القرار الإلهي قبل أن يفهمه, لأن السفيه لا يعرف معايير التوحيد وجذوره، وأن إبراهيم هو المرجع الأول لكل الديانات الإلهية, واختصاص المسلمين بالقبلة يعني قربهم من النبي إبراهيم ونسبتهم له، بخلاف سائر الأمم المليّة التي تتنازع على نسبة الخليل إليها.

إن تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة التي بناها إبراهيم هو استجابة لدعاء الخليل وهو وقوع ملحمة من الملاحم الغيبية, ودلالة على صحة سير رسالة الأنبياء, وهذا لا يعلم تفاصيله إلاّ الموحدون، وهو شرف لهذه الأمة إذ تحولت لها مسيرة الأنبياء بعد أن كانت في نسل إسحاق. ومن لا يفهم هذا فهو سفيه لأنه يتكلم ويحكم دون اطلاع على التوحيد وتاريخ النبوات، ولا على تدبير الله تعالى وحفظه للقيادة الإلهية.

في هذا السياق الذي يتحدث عن تشريف هذه الأمة جاءت (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) لتوضح أنه في سياق هذا الكمال هناك مرتبة ثانية وموضوع آخر غير تغيير القبلة، وهو موضوع جعل هذه الأمة أمةً وسطا، وبالالتفات إلى هذا الملاك فإن هذا الشرف والرفعة لا يشمل كل الأمة. فالأمة فيها المكابر والمنافق والمنحرف وغيرهما، على غرار ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104].

ماهي الوسطية ؟
سنعرض رأيين حول مفهوم الوسطية:

الرأي الأول: الوسطية هي الاعتدال:

ذهب البعض إلى أن الوسطية هي الاعتدال بين الإفراط والتفريط. والمعنى أن الدين الإسلامي بالقياس إلى بقية الأديان الإلهية دين معتدل، فاليهود قد ابتلوا بالإفراط في الميل إلى الدنيا والحرص والبخل والوجاهة (2) ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 96].

ولهذا جاءت المسيحية برسالة روحية وطرح تزهيدي فيه إعراض عن الدنيا لتعالج ذلك الإفراط والحرص على الحياة الذي ابتلي به اليهود. وملاحظ أن الثقافة المسيحية ما تزال مبنية على ترقيق القلب (الإشراقية) حتى اخترعوا الرهبانية وانعزلوا عن القيادة وعن إدارة الشؤون الاجتماعية وعن معالجة الظلم ﴿...وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 27].

مع الإشارة إلى أن الله لم يذم حالة الرهبة من الله لأنها كمال روحي مطلوب، وكلمة ابتدعوها لا تعني هنا البدعة بالاصطلاح الديني اليوم أي إدخال ما ليس في الدين في الدين، بل هي بمعنى الابتكار الذي يبغون به وجه الله تعالى، فلما لم يتوازنوا في اندفاعهم الروحي ولم يرعوها حق رعايتها كانت موضع ذم.(3)

ومعنى وسطية الأمة الإسلامية هنا هو أنها لم تقع في إفراط اليهودية ولا في تفريط المسيحية، فهي لا شرقية كالمسيحية ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: 16] ولا غربية كاليهودية ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ..﴾ [القصص:44] بل إن تعاليم الدين الإسلامي وسطية على الجادة.

2- المعنى الثاني للوسطية: دور عملي هو الشهادة على الناس.

وهذا الرأي يذهب إليه صاحب الميزان, فيقول أن الرأي الأول صحيح في حدّ ذاته, ولكنه ليس المراد في الآية، والشواهد الداخلية والخارجية الحافة بالآية لا تتحدث عن هذا المعنى، وذلك لدليلين:

1- أن الآية هنا لا تصف الدين الإسلامي بل تصف أتباع الدين الإسلامي، فهذا الجعل ليس للدين وإنما للمتدينين. فالدين وصف في قوله : ﴿... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا...﴾ [المائدة: 3] بينما الأمة هي المعنية في قوله (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا).

2- مصطلح التوسط بمعنى الاعتدال يستخدم للتعبير عن التوسط الأفقي، لكن نفس الآية تتحدث عن توسط طولي لا أفقي (لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) و (على) في الآية تفيد العلو والرفعة، فالميزان والمعيار ليس بين طرفين أحدهما في الشرق والآخر في الغرب بل بين طرفين أحدهما عالٍ والآخر دان.

فالوسطية هي الدور العملي الذي يحقق الاستعلاء على بقية الناس, وبه يتحقق مفاد الشهادة على الناس.

بحسب هذا الرأي يكون معنى الجعل هنا أن هذه الأمة قد جعل لها مرتبة ورفعة وقيادية وسيادية واقعية على سائر الناس, فهذه الأمة ليست أمة مسلوبة الوظيفة في الزعامة والشهادة على الأمم بل لها دور وعمل وشخصية.

ثم إن هذه الصفة (الشهادة) هي جعل فيه شرف ورفعة لأنه مرتبة بين الرسول والناس من جهة ولأنه إضفاء صفة من صفات النبي لهذه الأمة ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: 8] هذا الوصف الذي يعد من أبرز صفات القيادة قد أعطي لهذا الأمة.


يتبع
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-03-2014, 03:55 PM
فاطمة الجشي فاطمة الجشي غير متواجد حالياً
Member
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
الدولة: الجبيل
المشاركات: 47
افتراضي تابع( القيادة الصالحة جعل إلهي)

وصفات الشاهد هي صفات مثلها رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلى ضوئها نأخذ صفات الشهادة التي يجب أن تقوم بها أمته صلى الله عليه وآله:

1- أن يكون نموذجا وميزانا ورمزاً في الاستقامة: فإذا كان الإنسان غير مستقيم فلا يمكن أن تقبل شهادته.

2- موقعه القيادي وإشرافه على الأمة, فهو صلى الله عليه وآله له موقع إشراف على هذه الأمة.
نفس هذه الخصائص هي للأئمة عليهم السلام بالأصالة وللأمثل من الأمة بالتبع. إذن هذا جعل جماعي ووظيفة عملية ودور أنيط بالأمة بجعل من الله، ويجب أن تكون الأمة بقدر هذا التشريف. ولأنه جعل إلهي وروحي ومعنوي وله رصيد واقعي لذا يمتاز كليا عن الجعل الاعتباري.

وليس هناك من شك أن هذه الأمة فيها من هؤلاء النخب النوعيين الذين يستطيعون تحديد الواقع وقراءة الأحداث, ولا شك أن وجودهم هذا كرم وعطية ولطف إلهي ينبغي تقديره. وأشد بلاء تقع فيه الأمة هو أن تفرط في قياداتها.
بعض الأمم يهبهم الله أحسن قيادات ولكنهم لا يعرفون حقها, وهذه الأمة عانت في القرون الأخيرة من هذه المشكلة, وليس قتل الشهيد الصدر عنا ببعيد، وهو الذي لا ينقصه من خصائص القيادة شيء. حين تقتل الأمة قياداتها تكون قد وصلت إلى نقطة الصفر.

الذي حدث في هذه الأمة بعد وفاة رسول الله ص هو الانحدار والتسافل، ولم يبق فيها من يحمل هذه الخصوصية إلا هذه المجموعة التي خرج بها الإمام الحسين (ع). يقول أستاذنا الشيخ الجوادي: لو كان في الأمة شخص إضافي يستحق أن يكون مع الإمام الحسين لدعاه الإمام (ع) وأخذه معه إلى كربلاء.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ


(1) القاعدة الفقهية الأولية تجاه كل شيء هي الإباحة، وأن للإنسان مطلق العنان في أن يفعل في نفسه وماله ما يشاء، فالله قد خلق الإنسان حرّا، وفي هذه الحرية كمال له، وبها يصبح أكثر اقتدار على الانتخاب والتجربة وتشخيص الواقع وبالتالي أكثر تكاملا، وبمقدار التضييق على حرية الإنسان يصبح أكثر محدودية وأقل قدرة على التشخيص. وبالنظر إلى المحرمات في الدين فإنها جاءت محصورة في واحد وسبعين محرما، بينما لا حصر للمباحات، لأن معنى الإباحة ترك المجال لأن يعمل الإنسان عقله وإدراكه وفهمه وقدراته ويتكامل.

(2) وقد ابتلى الله اليهود بمنع الصيد يوم السبت ليعالجهم من مرض الحرص والبخل: ﴿واسألهم عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 163].

(3) يشبه حالة الرهبنة ما نراه اليوم من بعض مظاهر الجزع على الإمام الحسين عليه السلام, فالجزع على الإمام الحسين أمر مطلوب ودلالة على الانفعال والصفاء الروحي، أما تحويلها إلى طقوس وحالة من الجنون فهو أمر آخر غير ما هو مطلوب منه كقطع اليد و خلافه.

وبالمناسبة فإن ما أُشيع عن أحد أنصار الإمام الحسين وهو (عابس) من أنه كان مجنون الحسين، هو مما لا سند له فبالتتبع لم نجد كتابا أصيلا يؤكد ذلك الخبر، ولعله قد أُخذت اللفظة من بعض الكتب الفارسية والحال أن مجنون بالفارسية تعني عاشق, لكن للأسف أصبح عابس عنوانا لتبرير الطقوس غير العقلائية، وإلا فإن عابسا لما ألقى بدرعه ودخل أرض المعركة لم يكن لجنون فيه بل هي شجاعة يخيف بها العدو ويرهبه.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 12-03-2014, 03:57 PM
فاطمة الجشي فاطمة الجشي غير متواجد حالياً
Member
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
الدولة: الجبيل
المشاركات: 47
افتراضي الوسطية للأمة دور وضمان (4)

سيدا من السادة وقائدا من القادة -3 محرم 1436هـ
الوسطية للأمة دور وضمان (4)


الحديث حول القيادة وأثرها على المجتمع, وأنها ذات طرفين قائد وأتباع, وتأثير هذين الطرفين في بعضهما، فكل منهما يصنع الآخر ويبعثه ويعينه على أداء دوره.

لقد جعل الله هذه الأمة وسطا لتكون شهيدة على الناس, ومعناه أنه سبحانه أعطاها من المخزون الروحي والمعنوي والفكري والمؤهلات ما يعينها على أداء هذه الوظيفة.

جعل الأمة وسطا يدور مدار الشهادة:
جعل الأمة وسطا يدور مدار الشهادة على أعمال الناس, وهذا المقام مطلق وممتد للأمة في كل زمان ومكان, وقد ذكرنا أنه ليس من المقامات المختصة بالرسول والأئمة عليهم السلام, فهناك مقامات محصورة فيهم مثل: الرسالة, يقول تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 75]، ويقول: ﴿.. اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ..﴾ [الأنعام: 124], والإمامة الخاصة ﴿.. إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا..﴾ [البقرة: 124].

أما مقام العصمة مثلا فهو لا يختص بالمعصومين الأربعة عشر, فكل إنسان مصنوع من مركب إلهي خام يمكن أن يصل به عبر التكامل إلى حدّ العصمة. فبعض أصحاب الأئمة وصل إلى هذا المقام كعمار الذي يدور معه الحق حيثما دار, ولولا فتح باب العصمة لكل البشر لأغلق باب القربى.
ومن تلك المقامات غير المختصة بالمعصوم مقام الشهادة. يقول آية الله الشيخ الجوادي: لا توجد أدلة تحصر مقام الشهادة في الأئمة عليهم السلام, بل هناك أدلة تثبت إمكانية حصول ذلك في غيرهم (ع).

والقرآن مليء بالآيات التي تدل على أن مقام الشهادة مقام استعدادي منها:

الدليل الأول/ قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: 5-6] أصحاب علم اليقين مطلعين على الجحيم، ليس في الآخرة والبرزخ بل في الدنيا, لأنه في الآخرة الجميع سيرى النار.

ورؤية الجحيم لأهل اليقين هي شهادة لحقائق لا يعرفها الناس, ثم إنها ليست رؤية الجحيم بسلاسلها وأغلالها وأصحابها بالمعنى العرفي, بل إن هذا الشهود هو قراءة عميقة للأفراد والمناهج والمواقف الجحيمية, ومعرفة سلاسل وأغلال جهنم التي هي وسائط الخطايا ومقدماتها, وتمييز رائحة جهنم في المواقف والخطابات والسلوك, فالأنانية والجبن وسائر الرذائل ليست إلا جحيما في الواقع. مقام اليقين وهذا الشهود ليس من المقامات العالية الرفيعة التي لا يحصل عليها إلا الأوحد من الناس, فالكثير يصل إلى قراءة حقيقة واقع السعادة والشقاء.

الدليل الثاني/ قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: 18-21] هناك مقربون يشهدون كتاب الأبرار في هذه الدنيا. هؤلاء المقربون (الشهداء) يقرؤون كتاب الأبرار. ولا يقصد بالكتاب هو الأوراق والغلاف بل الكتاب هو المكتوب. لأننا حين نقول (كتاب) فنحن نعني المعاني الموجودة في الأوراق لا نفس الأوراق, بدليل أنه لو وجدت أوراق فارغة بين دفتين لا يمكن أن يطلق عليها كتابا.

هنا نتساءل: ما لذي يشهده الأبرار؟ هل يشهدون أعمال الناس أم مصيرهم؟

يقول الشهيد المطهري: أنهم يشهدون الاثنين, لأنهما في الحقيقة يعودان إلى أمر واحد. فعمل الإنسان وعاقبته وجهان لعملة واحدة, وذلك لأن كل عمل يقوم به الإنسان ينقش آثاره على صفحة وجوده ليكون كتابا مرقوما. والمرقوم: هو الواضح البيّن المقروء. نحن نقول إذا رأينا عملا لا نعرف دوافعه وأسبابه ونتائجه (لم نقرأ الحدث) ونقصد أننا لم نفهمه. أما إذا كان الحدث واضح المعني والبواعث والمنطلقات والنتائج فهو مقروء مرقوم.

المقربون يشهدون أعمال ومصير الأبرار, فهم يرون حكمة الأبرار وشجاعتهم وآثارها في وجودهم واضحة بينة (مرقومة) تتميز عن رؤية سائر الناس.

مقام الواسطية وسيادة الجماعة في المفهوم القرآني
إن وجود هؤلاء (الوسائط) (الشهداء) في الأمة هو ما يقيم عليه الشهيد الصدر مبدأ الولاية. ويفرق رضوان الله عليه بين النظام الغربي في قيادة المجتمع وبين الجعل الإلهي الذي يعتمد على الواسطية.
مقام الواسطية جعل واقعي حقيقي كمال معنوي, أو كما عبرنا عنه آنفا بأنه صيرورة وتحول جوهري, فهو بذلك يشكل مائزا واقعيا لشهادة وسيادة الجماعة بالمفهوم القرآني عن حكم الجماعة في النظام الديمقراطي الغربي.

يقول الشهيد محمد باقر الصدر في آخر ما كتبه (الإنسان وخلافة الأنبياء):
وبهذا تتميّز خلافة الجماعة بمفهومها القرآني والإسلامي عن حكم الجماعة في الأنظمة الديمقراطية الغربية، فإنّ الجماعة في هذه الأنظمة هي صاحبة السيادة، ولا تنوب عن الله في ممارستها، ويترتّب على ذلك أنّها ليست مسؤولةً بين يدي أحد، وغيرُ ملزمة بمقياس موضوعيٍّ في الحكم، بل يكفي أن تتّفق على شيء ولو كان هذا الشيء مخالفاً لمصلحتها ولكرامتها عموماً، أو مخالفاً لمصلحة جزء من الجماعة وكرامته ما دام هذا الجزء قد تنازل عن مصلحته وكرامته. وعلى العكس من ذلك حكم الجماعة القائم على أساس الاستخلاف، فإنّه حكم مسؤول، والجماعة فيه ملزمة بتطبيق الحقّ والعدل، ورفض الظلم والطغيان، وليست مخيَّرةً بين هذا وذاك، حتّى إنّ القرآن الكريم يسمّي الجماعة التي تقبل بالظلم وتستسيغ السكوت عن الطغيان بأنّها « ظالمة لنفسها »، ويعتبرها مسؤولةً عن هذا الظلم ومطالبةً برفضه بأيِّ شكل من الأشكال ولو بالهجرة والانفصال إذا تعذّر التغيير، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الملائِكَةُ ظَالِمِي أنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأويهُمْ جَهَنمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: 97].

قيادة الجماعة المؤمنة وقيادة الجماعة في النظام الغربي:
تتميز قيادة الجماعة المؤمنة بـ :

1- الشهادة أمام الله, أو كما يعبر الشهيد الصدر: حكم الجماعة القائم على أساس الاستخلاف والمسؤولية، والجماعة فيه ملزمة بتطبيق الحقّ والعدل، ورفض الظلم والطغيان، وليست مخيَّرةً بين هذا وذاك. والقرآن يصف الأمة التي ترضى بالظلم بأنها ظالمة لنفسها وتستحق النار. وذلك لأن موقف هذه الأمة الراضية بسلب حقوقها لا يمثل الواسطية والجعل الإلهي ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الملائِكَةُ ظَالِمِي أنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأويهُمْ جَهَنمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: 97].

بينما الجماعة في الديمقراطية الغربية ليست واسطة عن أحد، بل هي صاحبة النظام، تحكي ذاتها ولا تنوب عن أحد في إصدار الأحكام ووضع القوانين، ولا ترى نفسها ملزمة بمقاييس موضوعية في الحكم.

2- الارتباط والتقيد: فان هذه الأمة إنما تمارس الشهادة انطلاقا من مقام الجعل كواسطة مقيّدة بإيصال ما يريده الله, فلا تعمل بهواها أو اجتهادها المنفصل عن توجيه الله بل تقدم حيث يريد الله أن تقدم.

ومثال ذلك إعلان الإمام الحسين عليه السلام على رؤوس الملأ أن يزيد شارب الخمر قاتل النفس المحترمة. كل المسلمين كانوا يعلمون ذلك، لأن يزيد كان معلنا ومجاهرا بهذه المعصية, لكن الكل كان يخشى أن يجهر بهذا الواقع لأنّ الأمر سيصل للسلطات وسيحتاج إلى تضحيات. وربما كان الواقع الخانق الذي عاشته الأمة في تلك الظروف جعلتهم -كما يعبر الشهيد الصدر- يعطون أنفسهم المبرر بعدم التصريح بذلك, ولا نستغرب من ذلك, فاليوم شبيه بالأمس، وكلنا يتابع ما يجري في الساحة.

الجناة الحقيقيون كتابهم عندنا مرقوم, ولكن من ذا الذي يمكن أن يكون واسطة لله فيعلن عنهم بالاسم والرقم والهوية خصوصا إذا كان شخصية بارزة ولها موقعها الاجتماعي؟!

لماذا لم يتحدث الإمام الحسين عليه السلام بلغة دبلوماسية وفنيّة أو يكنّي عن أهدافه من بعيد ليكون ذلك أحفظ لنفسه وعياله وشيعته وأصحابه؟ إنه لم يفعل ذلك؛ لأنه صرف واسطة لا يرى غير واجب الصدق في أداء الوساطة عن الله. ولعل هذا أحد معاني قول الحسين (ع): (ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة. ثم قال: يأبى الله لنا ذلك ورسوله) فالحكم لله والأمر له ولرسوله, ولم يوكل الله للمؤمن أن يذل نفسه فضلا عن أن يتحدث بلسان الأمة ويذلها.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 12-03-2014, 03:58 PM
فاطمة الجشي فاطمة الجشي غير متواجد حالياً
Member
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
الدولة: الجبيل
المشاركات: 47
افتراضي السيادة روح القيادة

وجعلته سيدا من الساده وقائدا من القاده- 4 محرم 1436هـ
السيادة روح القيادة
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12-03-2014, 04:01 PM
فاطمة الجشي فاطمة الجشي غير متواجد حالياً
Member
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
الدولة: الجبيل
المشاركات: 47
افتراضي السيادة روح القيادة (4)

وجعلته سيدا من الساده وقائدا من القاده- 4 محرم 1436هـ
السيادة روح القيادة


بعد إيضاح مفهوم الجعل سنتحدث عن موضوع الجعل وهو السيادة والقيادة .

هل هناك نكتة في تقديم السيادة على القيادة ؟

هناك قاعدة لغوية تقول : أن الأصل هو عدم ترتيب أثر على تقدم أحد المعطوفين على الآخر مالم يكن هناك تكرار في تقديم أحدهما على الآخر ، فإن لم يكن هناك تكرار في التقديم فلا يعطي للمتقدم أي أهمية أو تميز . (1)

وبتتبع سريع للأدعية والزيارات والروايات يلاحظ كثرة تقدم ذكر السيادة على القيادة . منها ما ورد في زيارة أمير المؤمنين (ع) ً اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِزِيَارَتِي إِيَّاهُ وَ أَرْجُو مِنْكَ النَّجَاةَ لِي بِهِ مِنَ النَّارِ بِهِ وَ بِآبَائِهِ وَ أَبْنَائِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ رَضِينَا بِهِمْ أَئِمَّةً وَ سَادَةً وَ قَادَةً (2)

ومنها ما ورد عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله قَالَ حُبُّ أَهْلِ بَيْتِي يَنْفَعُ مَنْ أَحَبَّهُمْ فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ مَهُولَةٍ عِنْدَ الْمَوْتِ وَ فِي الْقَبْرِ وَ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ الْأَجْدَاثِ وَ عِنْدَ تَطَايُرِ الصُّحُفِ وَ عِنْدَ الْحِسَابِ وَ عِنْدَ الْمِيزَانِ وَ عِنْدَ الصِّرَاطِ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ آمِنًا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ فَلْيَتَوَالَ عَلِيّاً بَعْدِي وَ لْيَتَمَسَّكْ بِالْحَبْلِ الْمَتِينِ وَ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ عِتْرَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ فَإِنَّهُمْ خُلَفَائِي وَ أَوْلِيَائِي عِلْمُهُمْ عِلْمِي وَ حِلْمُهُمْ حِلْمِي وَ أَدَبُهُمْ أَدَبِي وَ حَسَبُهُمْ حَسَبِي سَادَةُ الْأَوْلِيَاءِ وَ قَادَةُ الْأَتْقِيَاءِ وَ بَقِيَّةُ الْأَنْبِيَاء. (3)

وغيرها الكثير إذ بلغت حوالي الـ 44 نصاً تقدم فيه ذكر السيادة على القيادة .

هذا من جهة , ومن جهة أخرى فإن السيادة هي روح القيادة , ولا يكون الإنسان قائداً إلا إذا كان سيّدا فالسيادة هي الأصل الذي ينبغي أن يسعى له الإنسان ليمثل الواسطية بين الله وخلقه , فلابد أن تكون نواة السيادة موجودة في من يريد حمل مشروع إلهي فعنها تتفرع إمكانيات القيادة ، وسيتضح ذلك أكثر بعد أن يتجلى لنا مفهوم السيادة .

مامعنى السيادة ؟

السيادة في اللغة :

ساد من مادة ( سود ): وهو كل ما خالف البياض . وسواد الشيء : شخصه , و إنما سمي السيد سيدا لان الناس يلجئون الى سواده .

وورد في كتاب (التحقيق في كلمات القرآن للعلامة حسن المصطفوي) أن السيادة هي : التشخص مع التفوق في مقابل أفراد أخر. اعم من المعنوي و المادي .

وفي ( مفردات الراغب ) قال : لما كان من شرط المتولي للجماعة ان يكون مهذب النفس قيل لكل من كان فاضلا في نفسه : سيدا , والسيد هو المتولي للسواد , أي : الجماعة الكثيرة.

السيادة ليست العلاقة النسبية
حين نزور الإمام بقولنا ( وجعلته سيداً من السادة ) فنحن بلا شك نعني مفهوماً مختلفاً عن السيادة النسبية لأن هذا الاصطلاح ـ السيد بمعنى ابن النبي ـ مستحدث وجديد ولا أصل له في اللغة ولا في الاصلاح الشرعي إذ إننا نخاطب الله سبحانه وتعالى بـ( يا سيد السادات ) .

نعم ، وإن عُدّ الانتساب بالولادة للنبي وللصديقة الطاهرة عليهما السلام كمالا إلا أنه كمال مشروط . وإذا كان الانبياء يدعون لذراريهم خاصة فليس لموقعية خاصة في نفوسهم لأبنائهم ، فطلب النبي إبراهيم الإمامة لذريته في الآية ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ) البقرة : 124 و ( اجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) إبراهيم : 35 ، هو دعاء لأن تكون ذريته فداءً للإنسانية لأن معنى الإمامة والقيادة هو أن تقدم رأسمالك في سبيل هداية الأمة ، ومعنى ترك عبادة الأصنام والكفر بالجبت ومقاومة الطاغوت هو مواجهة ما يترتب على هذه المقاومة من نتائج من قبيل الإلقاء في النار والتحريق والتهديد والطرد والسجن والإبعاد والقتل . وهذا الدعاء إنما يستبطن الرغبة في هداية الناس فكل ذلك مقدمات لسوق الناس للحق وخلق الفرصة للناس لمواجهة الطغاة . أن يكون الإنسان ( ذبيح الله ) فهذا يحتاج الى تضحيه كبيرة وهذا ما طلبه نبي الله إبراهيم عليه السلام . ومن هذا المنطلق نجد أن الأولياء والأنبياء قد خصوا ذريتهم بالدعاء بالدرجة الاولى .

السيادة بالمفهوم الإلهي
السيادة بالمفهوم الإلهي هي الهوية الذاتية التي يحصل عليها الإنسان بعمله وسماته وشمائله . إن الجمل الواردة في الزيارة هي في مقام المدح والثناء ، ولا يكون المدح إلا على الأمور الإختيارية ولا شك أن تحصيل هذه الهويّة هو جعل وصيرورة وتحوّل جوهري يحكي الحركة التكاملية في ذات الإنسان . (4)

إذن السيادة مقام واقعي ، وهي تتقوّم بشرطين :

1- الشرط الأول : تهذيب النفس ومحاصرتها :

هذه الصفة هي العمدة في الحصول على السيادة , وهي ما أشار إليه القران في حديثه عن يحيى بن زكريا عليهما السلام فقال ( وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ) آل عمران : 39

الحصار هو السجن ، والحصور ليس هو من لا يتزوّج ، بل هو الذي يحاصر شهواته ورغباته .ولابد للسيد أن يكون حصوراً , لأنه كثيرا ما يقع ذو الموقع والوجاهة في وهم التفرد والتميّز على الآخرين فيطلق العنان لنفسه وشهواته , وتنتفخ فيه الذاتية فيمارس ما تمليه عليه نفسه بلا رقابة فيبيح لنفسه ما لا يبيحه لغيره ، في الوقت أن أحوج ما يكون الإنسان لمحاصرة نفسه وتهذيبها حين يكون له مقام وموقع ورفعه بين الناس .

التعاطي السليم مع النفس في حال الحصول على موقع ومقام هو ما جاء في دعاء مكارم الأخلاق : (وَلا تَـرْفَعْنِي فِيْ النَّاسِ دَرَجَـةً إلاّ حَطَطْتَنِي عِنْدَ نَفْسِي مِثْلَهَا) الإمام زين العابدين عليه السلام في هذا المقطع من الدعاء يطلب من الله أن يريه حجمه الواقعي ، فإذا ما ارتفع الإنسان بين الناس وأصبحت الناس تلجأ إليه وتحف به وأصبح له تفوق خاص فإن هذا يعني صفارة إنذار تنبئه بأنه في خطر . وإذا أراد الله به خيراً أراه حجمه الواقعي فحطه في نفسه بنفس قدر ارتفاعه في نظر الناس . هذه هي السيادة الواقعية، وهذا بلا شك يحتاج إلى ضبط شديد جداً بل يحتاج إلى محاصرة للنفس .

إذن أهم خصوصيات السيادة التي يجعلها الله سبحانه وتعالى هي أنها سيادة تكاملية ، سيادة الترقي . فالسيد في المفهوم القرآني هو الرفيع المنزلة في ذاته , وهو من يقصده سواد الناس ويتشخّص لونه عنهم ولكن بامتيازات واقعية .

السيادة في الروايات
لقد تحدثت الروايات عن السيادة بذات المفهوم القرآني القائم على حصار النفس وترقيتها . جاء عن الإمام علي عليه السلام (السيد : من لا يصانع ، و لا يخادع ، و لا تغره المطامع) (5) .

عادة نقرأ هذه المعاني قراءة أخلاقية , لكن دعونا نرفع سقف القراءة من الحدّ الأخلاقي إلى الحدّ الزعامتي والقيادي .

السيد لا يصانع . المصانعة في اللغة هي المداهنة والملاينة , والمصانعة أيضا عند العرب هي البيع والشراء , وهذا لا يتناسب والسيادة , لأن السيد صاحب مبدأ وموقف ثابت , وهذا لا يتناسب مع المصانعة التي تجعل الإنسان لا يسجل موقف خلاف مع أحد , ويسعى أن لا يخسر أحداً , يقول الشهيد المطهري : المنافق فقط هو الذي لا يخسر أحداً .

نحن لا ندعو إلى التمزيق الداخلي وتفجير الواقع الاجتماعي فنحن مأمورون بمداراة الناس , لكن بالالتزام بالمبادئ التي هي أهم سمات السيادة الواقعية .

ثم إن السيد لا يخادع ، والمخادعة ليست كالرياء أي أن تختص بالعبادات فقط , فالمخادع هو من يشتري الوجاهة بأي ثمن كان حتى لو كان الثمن أن يظهر متديناً متعبداً , أو أن يشتريها بالهروب من الموقف الجاد أو بموافقة الرأي العام ، هذا كله ينافي السيادة لأن السيد من ليس في رقبته بيعة لأحد سوى لله.

وأخيراً السيد لا تغريه المطامع . من المعلوم أن صاحب أي موقع وسيادة تحيطه الإغراءات الكثيرة ، فإذا انساق لها كان ذلك كاشفاً عن أنه لم يحاصر رغباته وشهواته ولم يصل إلى مرتبة السيادة .

2- الشرط الثاني : صناعة العزة للآخرين:

من أهم آفات الموقع والوجاهة والسيادة الوهمية هي التشبث بالموقع ، وهذا يقتضي إقصاء الكفاءات أو تعطيلها , بينما تقوم السيادة في القراءة الدينية على بناء الكفاءات وتطويرها وإبرازها . فاذا كان الانسان سيداً في مجال العلم الديني فيجب أن يقدّم هذا العلم خدمة للناس ليكونوا علماء ، وإذا كان سيداً في علم الطب فيجب أن يبذل ذلك من أجل نفع الناس وهكذا ، لأن السيد سخيّ . ( لما سئل الإمام الصادق عليه السلام عن السؤدد قال : السخاء، ويحك أما رأيت حاتم طي كيف ساد قومه، وما كان بأجودهم موضعا ؟!) (6) . والإعطاء هنا بلا شك أعم من إعطاء المال وإن كان منها ، بل السخاء هو فتح المجال لكل الطاقات باكتشافها وصناعتها وتطويرها .

وروي عن الإمام الحسن عليه السلام : الإعطاء قبل السؤال من أكبر السؤدد (7) حين يطلب منك الناس أن تعلمهم وتفعل ذلك فهذا سؤدد , لكن حين تفتح لهم ـ دون طلب ـ طريقا يحببهم في طلب العلم وتبذل من علمك ليترقوا بالمعرفة فهذا من أكبر السؤدد .

كما ورد في الرواية ( سيد القوم خادمهم ) (8) التي نقرؤها غالباً في سقف محدود ونحصرها في الخدمات الجزئية لكنها في الحقيقة مطلقه . السيادة تستلزم الخدمة لكنها لا تنحصر في أن تعلم جاهلا أو تقضي حاجه ملهوف أو أن تتبرع بمال … السيد يقدم خدمات تتناسب ومقام السيادة ، وشأن السيادة تقديم الخدمات الكبار .

يقول تعالى : ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ) الأحزاب: 39 ، السيادة التي هي نواة القيادة تعني تقديم مصالح الأمة والإنسانية على الدعة والراحة وتقديم المصالح الواقعية على الأمان الشخصي ، فالذي يبلغ رسالات الله عندما يريد أن يكون سيداً وخادماً للناس فهو يتحرك لنزع الدنيا من أيدي الجبابرة ويقدم في سبيل ذلك كل ما لديه حتى لو خاطر بنفسه لأن السيادة هي أن تنصب نفسك خادماً للمصالح الكبار.

السيد الواقعي في أجلى صورة يبينه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله : ( ما ساد من احتاج إخوانه إلى غيره ) (9) السيد الواقعي هو من امتلك مؤهلات السيادة التي تجعل الجميع وبشكل طبيعي يرجعون إليه , هو من يقصده الآخرون تلقائياً من غير أن يعطيهم أحد عنوانه .. لأن تعاطيه بذاته أمان للآخرين ولأنه يقضي لهم كل حوائجهم . والمصداق الأبرز لذلك هو الإمام الحسين عليه السلام ، فهو الذي تحتاجه البشرية لنيل مآربها ، وتحتاجه الأنبياء لتتقرب لله بالبكاء عليه فهو سيد السادة وقائد القادة .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ

1- ذهب البعض إلى أهمية التزكية على التعليم بسبب تكرر تقديم التزكية على التعليم في القرآن .

2- مستدرك الوسائل 10 223 21- باب استحباب زيارة أمير المؤمنين

3- بحار الأنوار ج27 ص162 باب 6- ما ينفع حبهم فيه من المواطن

4- لهذا كان هناك فرق بين القيادة في المفهوم الإلهي عنها في المفهوم المادي , فالقيادة في المفهوم الإلهي تعتمد على السيادة وهي ما ذكرنا من كمال ذاتي تكون أرضية للقيادة , بينما في المفهوم المادي فالقيادة هي مجموعة من إمكانيات ومؤهلات خارجية كالخطابة والبيان والإقناع وغيرها مما يعدونه من سمات القيادة والحال أنها قشور .

5- غرر الحكم ص 341 ف 2 ح 7794

6- بحار الأنوار ج 78 ص 258 ح 142

7- أعيان الشيعة ج 4 ص 88

8- من لا يحضره الفقيه ج4 ص378

9- عيون الحكم والمواعظ
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 12-03-2014, 04:05 PM
فاطمة الجشي فاطمة الجشي غير متواجد حالياً
Member
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
الدولة: الجبيل
المشاركات: 47
افتراضي قائد القادة أين هو اليوم؟ (5)


وجعلته سيدا من السادة وقائدا من القادة ( 5)
قائد القادة أين هو اليوم؟


ورد في زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام : " اَللّـهُمَّ إنّي أشْهَدُ اَنَّهُ وَلِيُّكَ وَابْنُ وَلِيِّكَ وَصَفِيُّكَ وَابْنُ صَفِيِّكَ الْفائِزُ بِكَرامَتِكَ، أكْرَمْتَهُ بِالشَّهادَةِ وَحَبَوْتَهُ بِالسَّعادَةِ، وَاَجْتَبَيْتَهُ بِطيبِ الْوِلادَةِ، وَجَعَلْتَهُ سَيِّداً مِنَ السادَةِ، وَقائِداً مِنَ الْقادَةِ، وَذائِداً من الذادة..."

بعد أن تحدثنا عن مفهوم السيادة وأسلفنا أنها خصائص وشمائل واقعية ترفد القيادة وتعطي المؤهل والأحقية للتصدي للشأن القيادي العام ننتقل للبحث حول المفهوم الثالث في نص الزيارة وهو ( القيادة ) .

القيادة لغة :

القيادة تقابل الذيادة . فالذيادة هي السوْق من الخلف والطرد والإبعاد عن شيء أو محلّ , أما القيادة فهي نقيض السوْق , يقال : يقود الدابة من أمامها و يسوقها من خلفها. وقاد البعير: جرّه خلفه.

في الحديث" الْمُجْتَهِدُونَ - يعني في القرآن - قُوَّادُ أَهْلِ الْجَنَّةَ " (1) أي يسبقونهم للجنة و يجرّون غيرهم إليها . وفي حديث السقيفة: " فانطلق عمر و أبو بكر يتقاودان " (2) أي ذاهبين مسرعين كأن كل واحد منهما يقود الآخر بسرعته. والملاحظ أن السوق من الأمام عنصر مأخوذ في القيادة , ولذا فهي لا تتحقق إلا بافتراض مقود ومُساق .

ونحن لا نختلف مع سائر المسلمين حول إثبات صفة السيادة لأهل البيت عليهم السلام , ولكن الصفة التي يبدأ الانشقاق والاختلاف والتفرق حولها بحيث تكون فصلا مقوّما للمذهب الشيعي الاثني عشري هي مسألة القيادة.

ورد عن كلا الفريقين " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (3) وهذا يثبت سيادة الحسنين عليهما السلام عند كل المسلمين. ويرى الشهيد مطهري أن المسلمين لو التزموا بهذه الرواية لألزموا أنفسهم بعقائد كثيرة ، بمعنى لو أننا وقفنا على هذه الرواية فحسب فإننا سوف نثبت كل المقامات التي ندعيها للإمامين الحسن والحسين ، فكونهما سيّدي شباب أهل الجنة يعني أنهما سيدان في كل المراحل السابقة للجنة , فالإنسان يمر بمراحل الوجود من قارعة وحاقة وواقعة بما فيها هذا العالم حتى يصل إلى الجنّة التي هي عين الحقيقة. فالنبيّ بهذا لا يثبت للحسنين عليهما السلام سيادة استعدادية تحتاج لعمر من السير والسلوك في سلّم الفضائل , بل يعطيهما سيادة تكوينية تنطوي على السيادة التشريعية والاستعدادية – كما سبق وأسلفنا – (4).

إذن ليس الخلاف بين المدرسة الاثني عشرية وسائر المسلمين في سيادة الإمام لأن الرواية جاءت عن لسان النبي والإمام الحسين لم يتجاوز الست سنوات , إنما يبدأ الاختلاف من مسالة إثبات القيادة له عليه السلام . فمن المسلمات عندنا – نحن الشيعة - ان الإمام الحسين من الأئمة الاثني عشر الذين نصبهم الله سبحانه وتعالى لقيادة الأمة , واعتبر هذه نعمة عظمى على هذه الأمة , ولكنهم ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار﴾ (سورة إبراهيم:28) . واعتقادنا بالقيادة هو الفصل المقوم (5) الذي نفترق فيه عن سائر المسلمين ليس على مستوى علم الكلام والعقائد فحسب وإنما في السياسة و الإدارة وفي الشأن العام وفي قضايا الحياة . فهم يعتقدون بالانفصال بين الشؤون العلمية والقضائية والعبادية والأخلاقية وبين الشأن السياسي , وهم بعبارة موجزة يفصلون الدين عن السياسة. (6)

لقد امتاز المذهب الاثنا عشري في تأمين وضعه السياسي والاجتماعي بهذا المقوم ( القيادة ) وبقي في حالة من الضعف والضمور في المراحل التي فقد المجتمع الشيعي إحياء هذا المقوم وتثبيته .

ما هي القيادة ؟

سنتكلم عن القيادة بما يتناسب والبحث , وسيدور الكلام حول الدرجة الأولى من درجات القيادة وهي : القيادة السياسية والاجتماعية وسوق الناس لمصالحهم الواقعية .

هذه أدنى درجات القيادة بالنسبة إلى المعصوم . وإذا كانت السيادة هي خصائص باطنية فإن القيادة هي فعلية السيادة والسلوك السيادي . ولا يخفى أنه مأخوذ في القيادة التأثير على الآخرين , لذلك قلنا في بداية السلسلة أن من أهداف البحث تحديد المسافة بيننا و بين الامام الحسين (ع) .

القيادة هي المفصل و المقوّم لمدرسة أهل البيت (ع) عن بقية المدارس التي تفكك بين الدين و السياسة , وإذا فكننا بين السياسة و بقية المنظومة الدينية فسوف يُحدّ كل شيء , وسوف تصبح كل الروايات الأخلاقية والتي تتحدث عن الفضائل والشمائل كالسؤدد والحلم والبذل في دائرة ضيقة و محدودة. إن تفريغ الإسلام من قيادة أهل البيت يحوله إلى دين غير جاد , أشبه بحبر على ورق وصرف وصايا أخلاقية و مواعظ . بينما لو أدخلنا العنصر السياسي في كل هذه المنظومة فسوف تتحول إلى نظام تشريعي تنفيذي تطبيقي فتكون جادة، وتصبح ذات خطابات واقعية , فالقيادة تعني أن الله وضع منفّذاً وقائدا وسائقا لهذه القيم والأخلاقيات .

ولوضوح موقعية الإمام الحسين (ع) في تنفيذ كل الأحكام الشرعية, لاحظوا خطبة الإمام الحسين عليه السلام لأصحابه في ليلة العاشر تجدونها خطبة مليئة بالنفس القيادي و الريادي و بالروح الثورية القيادية فقد خطب خطبة طويلة قال فيها : " وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ وَ تَوَلَّوْا عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ وَ أَظْهَرُوا الْفَسَادَ وَ عَطَّلُوا الْحُدُودَ وَ اسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ وَ أَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ وَ حَرَّمُوا حَلَالَهُ، وَ إِنِّي أَحَقُّ مَن غيَّر " (7) أي أن موقعي و دوري وخصائصي مؤهلاتي تجعلني الأحق بهذا التغيير .

هل مقام القيادة مختص بالمعصوم ؟
هناك سؤال يتولد في داخل المدرسة الشيعية مفاده : هل أن منصب القيادة مقتصر على المعصومين صلوات الله عليهم , أم أنه لهم عليهم السلام بالأصالة وبالذات ولغيرهم بأدلة أخرى ؟

وبعبارة أخرى : هل أن هذا المقام مجعول لأهل البيت (ع) كما جُعلت لهم الإمامة جعلاً خاصاً أم أن هذا المقام مثله مثل الشهادة والواسطية ؟

الجواب :

إذا حلّلنا منشأ هذا الجعل الإلهي لهم عليهم السلام سنعرف سعة دائرة هذا الموقع وهذا المقام , ومنشأ هذا الحق. و هناك بيانات كثيرة جداً لإيضاح ذلك ولكن سأكتفي بأكثرها بداهة ووضوحا .

يوجد عدة نظريات لكن أستطيع أن أقول : نحن الشيعة لدينا شبه إجماع على أن هذا المنصب ليس منصباً خاصاً , فهو للأئمة عليهم السلام على نحو الكمال ولكن نختلف في مدى تطبيق امتداد هذه القيادة في زمن الغيبة , ومن هنا اختلفت الآراء .

النظرية الأولى : نظرية ولاية الفقيه .

وهي النظرية التي نتبناها وسنقيم عليها الأدلة , ثم نعرض بقية الآراء .

لكن قبل ذلك لا بد أن نلتفت إلى نقطتين :

1- أن الأئمة عليهم السلام ما حوربوا وقتلوا و سمّوا بسبب سيادتهم بل بسبب القيادة , فكل الناس تعتقد بسيادتهم وتعرف أنهم أكمل البشر , ولكنهم لا يتبعونهم كقادة .

2- إذا قلنا أن السياسة داخلة في جميع الأحكام الاسلامية , فهل يعقل أن دينا هو آخر الأديان و شريعة تدّعي الشمولية , و أنها نازلة لكل البشر و أنها رحمة للعالمين , ثم لا يمارس فيها منصب القيادة خلال 25 سنة هي مجموع قيادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين و الحسنين عليهم السلام , ويجمّد هذا المنصب إلى أن يأتي الحجة عجل الله فرجه الشريف ليمارسه من جديد؟ خصوصا مع قولنا بأن هذا المنصب هو الفصل المقوم للمذهب !

بعد هاتين الملاحظتين سنستعرض أدلة نظرية ولاية الفقيه في بحث كلامي عقلي ونقلي وبأدلة بديهية سهلة بعيدة عن الصناعية والتخصص . ولا يوجد فقيه لا يقول بولاية الفقيه ، وإن كان ثمة اختلاف فهو في سعتها وضيقها وفاعليتها. (8)

إنّ معرفة نظرية ولاية الفقيه سوف تحل لنا كثير من المفردات التي نستخدمها اجتماعيًا وسياسيًا , وسأشير إلى بعض منها بقدر ما يسمح المجال .

الدليل الأول على نظرية ولاية الفقية : إحراز القدر المتيقّن

إنّ منشأ حق القيادة في زمن الغيبة هو توحيد الربوبية فلا ربوبية لأحد على أحد ولا التزام لأحد مقابل قانون ولا حكم إلا لله, وقد اختار الله سبحانه قادة معصومين لملكات ذاتية فيهم . والدليل على ولايتهم وقيادتهم هو نفسه يجري دليلا على مشروعية قيادةٍ من سنخ قيادتهم في زمن الغيبة بالقدر المتاح وهذا ما نسميه بدليل قاعدة إحراز القدر المتيقن .

هذا الدليل يستند إلى قاعدة عقلائية . هذه القاعدة تقول: إن إحراز القدر المتيقن أولى من الترك في الوصول للمطلوب , وهي قاعدة نلتزم بها في كل أعمالنا اليومية , فعندما يطلب الإنسان أمرا ما ثم لا يمكنه الحصول عليه في أعلى درجاته فهو لا يتركه تماما بل يحاول الحصول عليه وفق الظروف المتاحة . مثلا , حين يمرض الإنسان ويحتاج إلى طبيب حاذق ، ولا يجده ولكنه يجد أطباء آخرين أقل كفاءة , فالعقل يأمره بالذهاب للأطباء الموجودين , لا أن يترك العلاج بسبب عدم وجود الطبيب الحاذق . هذا معنى قاعدة الوقوف على القدر المتيقن وهي قاعدة عامة يتعاطى بها العقلاء , فإذا لم نستطع تحصيل المائة في مطلوبنا نرضى بالتسعين ثم يتضاءل العدد حتى نصل إلى الصفر .

هذه القاعدة تجري في الفقه أيضا . فلو أوقف الإنسان مالا لينفَق في مورد معين فلم يتيسر لتحقيق هذا المصرف فالعقل يقتضي أن ننزل إلى مورد قريب من المقصود للواقع . لا أن نترك أصل المسألة .

قد لا نعمل بهذه القاعدة في الأمور غير المهمة , لكن إذا كان الأمر من الأهمية بحيث أن الشرع لا يرضى بتركه كقيادة الأمة فإن مقتضى العقل يقول : بما أن المعصوم المجعول للقيادة من قبل الله جعلا تكوينيا غائب عن ممارسة القيادة فعلينا أن نبحث عن من هو أرضى للشارع من حيث الخصائص والصفات ونسلمه القيادة . لأننا نطمئن أن الشارع لا يرضى بتعطيل الأحكام ولا بتجميد السياسة ولا بأن يستولي علينا الكافرون ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ (سورة النساء:141)

شروط القيادة
والعقل يشترط في من يستلم مقام القيادة عن المعصوم ثلاث خصوصيات :

الشرط الأول/ الاجتهاد :

أي أن يتصدى للقيادة المجتهد الأعلم في الشريعة . لأنه يشغل منصب القيادة نيابة عن الإمام المعصوم الذي يملك أعلى مرتبة من العلم بالقانون والتقوى الاخلاقية والتدبير , والمتصدي في موقع المعصوم يجب أن يكون هو الأقرب من فهم الشريعة .

فمن ليس عنده ملكة الاجتهاد مهما كان ذكيا وذا إحاطة بالنصوص الشرعية فهو لن يفهم الواقع الخارجي ولن يستطيع أن يتعاطى مع الأمور والأحداث المستجدة بردّها إلى الأصول والمباني الدينية لمعرفة وجهة نظر الدين فيها , ومن لم يتقن هذه المهارة فهو قد يقع في الخطأ مهما حسنت نيته .

الشرط الثاني / العدالة :

وهي الصلاح الأخلاقي . يقول تعالى : ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ ( سورة آل عمران:102) التقوى بشكلها المطلق متوفرة في المعصوم لكن في الولي الفقيه يُبحث عن الأقرب فالأقرب إلى التقوى . والتقوى خاصية لها علاقة بالسيادة , وهي – كما ذكرنا - حصر النفس وضبطها فالقائد بالإضافة إلى كونه الأعلم يجب أن يكون الأكثر زهداً . ويجب أن لا يغلبه خوفه أو جشعة أو حفاظه على منصبه على اتخاذ الموقف الذي يطابق الواقع .

الشرط الثالث / المهارة الإدارية :

وهذه السمة تتفرع عنها مزايا كثيرة : منها الإدارة الجيدة , الصلابة والحزم , الحلم , الشجاعة , التغافل عن بعض ما لا يصح تضخيمه , والتشدد في ما ينبغي التشدد فيه .. وغيرها كثير . وهي باختصار القدرة على إدارة الناس , وهو شرط موجود في الولاية وليس موجودا في مسألة المرجعية .


يتبع
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 12-03-2014, 04:07 PM
فاطمة الجشي فاطمة الجشي غير متواجد حالياً
Member
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
الدولة: الجبيل
المشاركات: 47
افتراضي هامش محاضرة ( قائد القادة اين هو اليوم ؟)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ

1 – الكافي- الشيخ الكليني-ج2-ص606

2 - مجمع البحرين- الشيخ فخر الدين الطريحي- ج 3 – ص133

3 - من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج4-ص179

4 - راجع الدرس الأول

5 – الفصل المقوِّم : عبارة عن جزء داخل في الماهية , كالناطق مثلا فإنه داخل في ماهية الإنسان , ومقوّم لها , إذ لا وجود للإنسان في الخارج والذهن بدونه .

6 - العلمانية ولدت يوم السقيفة عندما كان يُعتقد أن (أعلمكم علي ) و ( أقضاكم علي) و ( أفضلكم علي) لكنه يُنحى عن القيادة والتصدي للشأن العام ويقتنع المسلمون بذلك ! من هنا حدث الشقّ الواقعي بين المسلمين والمذهب الأثني عشري

7 - بحار الأنوار – العلامة المجلسي - ج44- ص382

8- والحقيقة أن اختلاف العلماء في مسالة ولاية الفقيه ليس عميقا ولا يؤثر على النتيجة المطلوبة وهي حاكمية الفقيه. فلايوجد فقيه ينكر الولاية للفقيه بشكل مطلق. يقول الشيخ جعفر السبحاني في كتاب معالم الحكومة الاسلامية( ان القول بولاية الفقيه اتفق على اصلها في الجمله جميع الفقهاء في فقه الامامية) ويقول اية الله جوادي الاملي في كتاب ولاية فقيه ولاية فقاهت وعدالت( ليس عندنا فقيه ينكر الولايه للفقيه بشكل مطلق). بل حتى الذي يقول بالولايه الحسبية يثبت الولاية للفقيه في مجال الحكومة وإدارة البلاد، يقول آية الله الشيخ جواد التبريزي في كتاب (صراط النجاة) والذي نقول به هو أن الولاية على الأمور الحسبية بنطاقها الواسع، وهي كل ما علم أن الشارع يطلبه ولم يعين له مكلفا خاصا. ومنها بل أهمها ادارة نظام البلاد وتهيئة المعدات والاستعدادات للدفاع عنها فإنها ثابتة للفقيه الجامع للشرائط. وهناك اشتباه شائع بين المؤمنين والطلبة هو أن من يقول بالولاية الحسبية يرفض حاكمية الفقيه، يقول السيد كاظم الحائري في كتاب (المرجعية والقيادة) فلئن كانت الشريعة لا ترضى بإهمال أمور المساجد والأيتام والسفهاء . . . فكيف ترضى باهمال أمور الدولة وشؤونها؟). يقول الشيخ النائيني في كتاب (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) إذ أن الشارع المقدس لا يرضى باختلال النظام وذهاب بيضة الإسلام، ومن جهة أخرى نجد أن اهتمام الشارع بحفظ البلدان الإسلامية وتنظيمها أكثر من اهتمامه بسائر الأمور الحسبية، ومن هنا يثبت لدينا بما لا شك فيه نيابة الفقهاء والنواب العمومين في عصرالغيبة في ما يتعلق باقامة الوظائف المذكورة).
ويقول الشيخ النائيني في نفس الكتاب( بما ان القيام بادارة أمور الأمة وشؤونها هي من الوظائف الحسبية وتدخل في باب الولاية اذن فالقيام بها من وظائف النواب العامين والمجتهدين العدول).
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
1436, ام عباس, بحث, سيدا, قائدا

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:03 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions Inc.