(نظرة نحو مسيرة التفكير الفلسفي منذ القرون الوسطى وحتى القرن الثامن عشر الميلادي)
🎬الحلقة الثانية:
(نظرة نحو مسيرة التفكير الفلسفي منذ القرون الوسطى وحتى القرن الثامن عشر الميلادي) ص: 25- 35
وتشمل المحاور التالية:
١- الفلسفة المدرسية.
٢- عصر النهضة والتحول الفكري الشامل.
٣- المرحلة الثانية لاتجاه الشك.
أولا: الفلسفة المدرسية(اسكولاستيك):
استمرت المرحلة التي تسلطت فيها الكنيسة على المراكز العلمية وبسببها تم إغلاق المدارس والجامعات في أثينا والإسكندرية (في القرن السادس عشر الميلادي) ما يناهز الألف عام، وسيمت هذه المرحلة ب « القرون الوسطى».
ومن الشخصيات المتميزة لهذه المرحلة (القديس أغسطين) الذي حاول شرح العقائد المسيحية حسب الأسس الفلسفية ولا سيما آراء أفلاطون والأفلاطونيين المحدثین.
وبعده حاولوا إقحام بعض الدراسات الفلسفية في مناهج المدارس، ولكنهم لم يتلقوا أفكار أرسطو بما تستحق من تقدير واحترام، وإنما كانوا يعتبرونها أفكارا مضادة للعقائد الدينية ولهذا لم يسمحوا بتدريسها. وامتد هذا التصور حتى سيطر المسلمون على الأندلس وتغلغلت الثقافة الإسلامية في أوروبا الغربية، وراحوا يتدارسون أفكار الفلاسفة المسلمين من قبيل ابن سينا وابن رشد، فاطلع العلماء المسيحيون على آراء أرسطو عن طريق كتب هؤلاء الفلاسفة المسلمين. وشيئا فشيئا لم يستطع آباء الكنيسة الصمود أمام هذه الأمواج الفلسفية العاتية، وانتهى الأمر بقبول القديس (توما الأكوینی) كثيرا من آراء أرسطو وسلط الأضواء عليها في كتبه المختلفة، فأخذت حدة المخالفة لفلسفة أرسطو تقل حتى أصبحت هي الاتجاه المسيطر في بعض المراكز العلمية.
إلا أن الفلسفة لم تحرز تقدما في الغرب وإنما سارت في طريق الانحطاط. وعلى العكس من العالم الإسلامي حيث كانت العلوم والمعارف تزدهر وتتقدم باستمرار ، كانت أوروبا تقتصر في مدارسها على تدريس أمور تبرر العقائد المسيحية التي لا تخلو من التحريف، وهم يطلقون عليها اسم (الفلسفة المدرسية) التي تضم علاوة على المنطق والإلهيات والأخلاق والسياسة وجانب من الطبيعيات والفلكيات التي تتبناها الكنيسة وقواعد اللغة والمعاني والبيان، ومن هنا فقد أصبحت الفلسفة في ذلك العصر ذات مفهوم واسع ومجال كبير.
ثانيا: عصر النهضة والتحول الفكري الشامل:
منذ القرن الميلادي الرابع عشر تحولت الظروف بشكل شامل، فمن ناحية نشأ في إنجلترا وفرنسا اتجاه يطلق عليه «نومینالیسم» یعنی «أصالة التسمية»، وهو اتجاه ینکر الكليات. وكان لانتشار هذا الاتجاه دور مؤثر في ركود الفلسفة وضعفها. ومن جهة أخرى حدثت صراعات بين رجال الدين المسيحيين وتناقض بين العقل والدين، وانتهى ذلك بظهور المذهب "البروتستانتي" مقابل المذهب "الكاثوليكي" الخشن المتعصب. ومن جهة أخرى ظهر الاتجاه الإنساني (هیومانیسم) الذي حارب أفكار الكنيسة المتطرفة، فانصرف الناس إلى شؤون حياتهم الاجتماعية معرضين عن المسائل الإلهية وما يتعلق بما وراء الطبيعة، وبالتالي انهارت الإمبراطورية البيزنطية وبدأ الهجوم من كل جانب على الكنسية ولقيت الفلسفة المدرسية حتفها بالانهيار.
ولم يخلف التصرف المتعصب الأعمى للكنيسة الكاثوليكية في أنفس الناس شيئا سوى سوء النظرة إلى الكنيسة وإلى الدين بصورة عامة، مما أدى إلى حدوث فراغ فكري وفلسفي انتهى إلى ظهور اتجاه الشك الحديث.
ثالثا: المرحلة الثانية من الاتجاه نحو الشك ومخاطره:
إن هذا التغير في الأفكار والعقائد وانهيار الأسس الفكرية والفلسفية قد أدى إلى إيجاد اضطراب نفسي لدى كثير من العلماء بلغ الحد الذي أنكر فيه عالم كبير مثل (مونتن) قيمة العلم والمعرفة،ثم قام بطرح شبهات المشككين والسوفسطائيين بأسلوب حديث ودافع بحرارة عن مذهب الشك الذي ظهرت مخاطره الشديدة على أوروبا مثل:
- العذاب النفسي من حالة الشك.
- أخطارة مادية ومعنوية كبيرة للمجتمع بسبب إنكار قيمة المعرفة والقيم الأخلاقية.
- فقد الدين قاعدته العقلية وضربت العقائد الدينية.
ولهذا أصبحت مقاومة اتجاه الشك من واجبات العالم والفيلسوف، ومن تكاليف رجال الدين ومن اهتمامات المربين والسياسيين والمصلحين الاجتماعيين.
▪︎الفلسفة الحديثة:
كانت من أهم المحاولات التي بذلت في هذا العصر للتخلص من اتجاه الشك وإعادة الحياة للفلسفة هي محاولة الفيلسوف الفرنسي (رینیه دیکارت)، الذي لقب ب ( أب الفلسفة الحديثة). وكانت جملته الشهيرة: أنا أشك ، إذن أنا موجود».
وكانت لآراء وأفکار دیکارت - في ذلك العصر المتسم بالاضطراب الفكري - مبعث اطمئنان كثير من العلماء.
▪︎أصالة التجربة ومذهب الشك الحديث:
في الوقت الذي كانت الحياة فيه تعود إلى الفلسفة العقلية في أوروبا، ظهر في إنجلترا اتجاه آخر وهو (أصالة الحس والتجربة) أو (امپریسم) على يد الفيلسوف الإنجليزي (ویلیام الأكامي) وهو من القائلين بأصالة التسمية التي تنكر أصالة التعقل. ومن الذين اشتهروا بأنهم تجريبيون ثلاثة فلاسفة آخرون من الإنجليز هم: (جون لوك) وهو أكثرهم اعتدالا وأقرب إلى مسلك العقليين.
و (جورج باركلي) الذي كان مؤيدا لأصالة التسمية، ولكن كانت له آراء أخرى لا تنسجم مع أصالة الحس والتجربة.
و(دافيد هيوم) الذي كان أكثرهم تعصبا وتطرفا لأصالة الحس والتجربة.
وقد وجه هؤلاء نقدهم لنظرية ديكارت في باب المعرفة الفطرية واعتبروا الحس والتجربة هما المنبع لجميع المعارف.
✍أم حسين بوحليقة.
|