��بسم الله الرحمن الرحيم ��
✨شرح دعاء الافتتاح ✨
سلسلة دروس القاها سماحة الشيخ الفاضل
☄عبد المحسن النمر ☄
في شهر رمضان 1422ه في الدمام يشرح فيها بعض معاني دعاء الافتتاح
الدرس الثامن والأخير: حقيقة معرفتهم والارتباط بهم عليهم السلام
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
تلخيص لما سبق :
( اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَاَمينِكَ، وَصَفِيِّكَ، وَحَبيبِكَ، وَخِيَرَتِكَ مَنْ خَلْقِكَ، وَحافِظِ سِرِّكَ، وَمُبَلِّغِ رِسالاتِكَ، اَفْضَلَ وَاَحْسَنَ، وَاَجْمَلَ وَاَكْمَلَ، وَاَزْكى وَاَنْمى، وَاَطْيَبَ وَاَطْهَرَ، وَاَسْنى وَاَكْثَرَ ما صَلَّيْتَ وَبارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ، وَتَحَنَّنْتَ وَسَلَّمْتَ عَلى اَحَد مِن عِبادِكَ وَاَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ، وَصِفْوَتِكَ وَاَهْلِ الْكَرامَةِ عَلَيْكَ مِن خَلْقِكَ )
بعد حمد الله عز وجل تعرضنا لبعض أوصاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) وسألنا الله أن يصلي على محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وذكرنا أن الصلاة على النبي وآله بما هم مظهر صفاته وأسمائه – عز وجل- هي الوضع الطبيعي والصورة المنعكسة عن حمد الله ، فمرآة كمال الله ومرآة علمه ورحمته هم محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهكذا كل صفة حمد وتعرف على الله عز وجل بصفة من أسمائه وصفاته مقتضاها الصلاة على محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حيث أنهم الوجود التحققي والتعيني الذي ظهرت فيه هذه الصفة ، و ذكرنا أنه إذا نظرنا إلى هذه الصلوات على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نجد أن الصلاة عليه من حيث أنه عبد الله و رسوله وأمينه وصفيه وحبيبه .. إلخ، وأن هذه الصلاة أفضل وأحسن وأجمل إلى عشر صفات ، وهي صلوات وبركات ورحمة وتحنن وسلام على أفضل ما ناله عبد أو رسول أو صفي عند الله ، وذكرنا أن هذا المقطع ينحل إلى عشرة آلاف – تقريبا- جملة صلاة على محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا التفتنا إلى كل جهة من جهات حمد الله وكل صفة ، حينها نتعرف على الله ويظهر لنا ويتنزل على قلوبنا تلك الصفة من الرحمة هي مقتضى ألف صلاة من هذه الصلاة . فمن حيث أن الله لا شريك له ؛ تكون الصلاة على محمد وآله عبده ورسوله بأفضل وأجمل وأكمل ما صلى وبارك على أحد من عباده وأنبيائه ورسله . ومن حيث أن الله عز وجل هو المتصف بالوهابية ؛ الصلاة على محمد وآله لأنهم مظهر الوهابية . وهكذا إلى آخر التشكيلة الصلواتية التي تعرفنا عليها وبالتالي ينتهي بنا الحال إلى أن نتعرف على عدد لا يحصيه إلا الله من الصلاة على محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) . هذه النقطة حاولنا أن نشير إليها في الدرس الماضي .
أصل الصلوات للنبي وبالتالي لآله :
هذه الصلاة وتنزلها في هذا العالم هي أولاً وبالأصل للنبي الهاشمي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي بالتالي وبنفس الدرجة لعلي (عليه السلام ) (اَللّـهُمَّ وَصَلِّ عَلى عَليٍّ اَميرِ الْمُؤْمِنينَ ) لا حاجة إلى تكرار الكيفية في الصلوات لأن ما لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من الصلوات فهو لعلي (عليه السلام) ( وَصَلِّ عَلَى الصِّدّيقَةِ الطّاهِرَةِ فاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمينَ ) وعلى فاطمة (عليها السلام) نفس الصلوات والرحمات ( وَصَلِّ عَلى سِبْطَيِ الرَّحْمَةِ وَاِمامَيِ الْهُدى ) إماماً بعد إمام الدعاء ، إلى هنا يظهر ترابط فقرات واتجاه الدعاء من التعرف على الله تعالى وذكره بأنواع الأسماء الجمالية والجلالية والتعرف عليه عز وجل بتلك الأسماء والصفات العظيمة هي مقتضى تكويني ، هي مقتضى الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و آله الطيبين الطاهرين .
هم (عليهم السلام) حقيقة الطريق إلى الله :
نقف عند نقطة تتعلق بمعرفة واقعية الارتباط بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعلي وآل علي (عليهم السلام) ، قد يتصور شخص بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حامل الرسالة والدعوة وعلي وصيه والأئمة هم السائرون على نهجه ، بلّغونا هذه الرسالة وصي بعد وصي و إمام بعد إمام . وهم حملوا الرسالة وتشبعت حياتهم وفكرهم بهذه الرسالة . فنحن غايتنا وهدفنا من التعرف عليهم ومتابعة شؤون حياتهم وصفاتهم هي أخذ هذه الرسالة عنهم (عليهم السلام) ، أو لنقل بحسب الاصطلاح الذي يؤسسه الأصوليون أن غايتنا منهم هو كونهم طريقاً لأخذ هذه التعاليم ولو أننا بأي سبب كان وبأي وسيلة بلغنا تلك التعاليم لكان البحث عن صفاتهم ومقاماتهم أمرًا إضافيًا زائدًا ، فإذا عرفنا كيفية الصلاة والصوم والحج وتعلمنا الأخلاق التي طلبها الله منا ربما لا نحتاج بعد ذلك لمعرفة مقاماتهم وحالاتهم وشؤونهم ، أي باختصار أن معرفتهم لا موضوعية ولا شكلية له في حد ذاته المهم هذه التعاليم !
هذه الصورة مغلوطة وغير صحيحة والصحيح أنهم (عليهم السلام) هم حقيقة الطريق إلى الله ، لا أنهم وسيلة للطريق إلى الله , فهم (عليهم السلام) حقيقة النور الإلهي الذي خلقه الله عز وجل ، هم حقيقة الكمال ، فالصلاة منهجهم (عليهم السلام) ، والصوم طريقتهم في عبادة الله ، الحج مسلكهم في السير إلى الله , والصلاة والحج والعبادات بمختلفها هي شؤونهم (عليهم السلام) إنما نحن نؤدي هذه الأعمال والعبادات بما أنها طريق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ومسلكه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وآله .
نحن نعرف العبادات بتعليم العلماء ولا شأن للعلماء فيها ، نحن نقلد المراجع الأفاضل ولكن لا ارتباط موضوعي لنا بالمراجع ، فغايتنا هي نفس هذه التعاليم . لكن هذا الأمر ليس كذلك بالنسبة لمحمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) . ليس هناك تعاليم اسمها الصلاة والزكاة والحج لها واقعية منفصلة عن سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونهجه بل إن الصلاة والعبادات بمختلف أنواعها هي اقتفاء أثرهم (عليه السلام) وكلما اُقتفى أثرهم واُرتبط بهم كلما تعرف على حقيقتهم وكلما تعرف على حقيقتهم تعرف على الله عز وجل .
ارتباط وجودنا به عجل الله فرجه :
لختم الدرس نختصر الفقرات في هذا الدعاء ؛ المقطع الأول كان حمداً لله عز وجل تلاه المقطع الثاني وكان صلاة على محمد وآله ( صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثم المقطع الثالث ( وَصَلِّ عَلى وَلِىِّ اَمْرِكَ الْقائِمِ الْمُؤَمَّلِ، وَالْعَدْلِ الْمُنْتَظَرِ، وَحُفَّهُ بِمَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبينَ، وَاَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ يا رَبَّ الْعالَمينَ) ويختص بالارتباط بصاحب العصر والزمان (عج) ، هذا المقطع يشبه نزع الروح من عالمها ومحيطها المادي والحياتي وقضاياها الخاصة إلى الانتقال للارتباط بقضايا صاحب العصر ( عج ) ووظائفه وروحه ، لاحظوا هذا المقطع من الدعاء يمكن تقسيمه إلى خمس فقرات :
الجزء الأول : دعاء للإمام (عليه السلام ) ( اَللّـهُمَّ وَصَلِّ عَلى وَلِىِّ اَمْرِكَ الْقائِمِ الْمُؤَمَّلِ، وَالْعَدْلِ الْمُنْتَظَرِ، وَحُفَّهُ بِمَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبينَ، وَاَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ يا رَبَّ الْعالَمينَ ) هذا المقطع من الدعاء يجعل توجهنا إليه ( عج ) ونظرتنا إلى مقامه وشخصه الشريف والدعاء له بأن يحفه الله تعالى بالملائكة المقربين ويؤيده بروح القدس .
الجزء الثاني : الدعاء له بتعجيل فرجه الشريف والقيام بوظائفه التي اُدخر لها ، والتي بقي من أجلها كل هذا العمر المديد والزمان المتطاول منتظراً للحظة التي يقدم فيها لأداء هذه الوظائف ( اَللّـهُمَّ اجْعَلْهُ الدّاعِيَ اِلى كِتابِكَ، وَالْقائِمَ بِدينِكَ، اِسْتَخْلِفْهُ في الاَْرْضِ كَما اسْتَخْلَفْتَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِ، مَكِّنْ لَهُ دينَهُ الَّذي ارْتَضَيْتَهُ لَهُ، اَبْدِلْهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِ اَمْناً يَعْبُدُكَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئاً، اَللّـهُمَّ اَعِزَّهُ وَاَعْزِزْ بِهِ، وَانْصُرْهُ وَانْتَصِرْ بِهِ، وَانْصُرْهُ نَصْراً عَزيزاً، وَاْفتَحْ لَهُ فَتْحاً يَسيراً، وَاجْعَلْ لَهُ مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصيراً، اَللّـهُمَّ اَظْهِرْ بِهِ دينَكَ، وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ، حَتّى لا يَسْتَخْفِيَ بِشَىْء مِنَ الْحَقِّ، مَخافَةَ اَحَد مِنَ الْخَلْقِ ) .
..يتبع