عرض مشاركة واحدة
  #14  
قديم 06-26-2016, 12:42 PM
بثينه عبد الحميد بثينه عبد الحميد غير متواجد حالياً
Member
 
تاريخ التسجيل: Mar 2016
المشاركات: 94
افتراضي تابع الدرس السادس : الغاية من الحمد

المسلك أو المنهج الصحيح :
نحن إذا حاكمنا هذه المناهج السابقة منهج أهل الظاهر وهو الأول ، والمنهج العقلي الذي هو منهج الفلاسفة ومنهج التصفية وتطهير الروحي الذي هو منهج العرفان وأهل التصوف ، إذا حاكمناها وجدنا أن المنهج الأول يسلَّـم بعدم الوقوف على الطريق إلى معرفة الله ، أما المنهجين الآخرين فيمتاز كل منهما بمزايا ويتخلله أيضاً بعض النقائص .
أما المنهج الرابع الذي نستفيده من تعاليم أهل البيت ( عليهم السلام ) هو منهج يجمع صفات ووسائل التعرف على الله عز وجل على نحو تتقبله العقول وتستمرئه القلوب.
أدعية أهل البيت ( عليهم السلام ) تهيئ نفس الإنسان وعقله لمعرفة الله وتجلي أسمائه وصفاته ، ونحن وإن انشغلنا في الكثير من أدعيتنا ، وربما حتى لو لم نلتفت إلى أهمية التعرف على الله ، إلا أنه بصورة طبيعية وتلقائية حينما نقرأ هذه الأدعية نجد أنها تربط بين مطالبنا وحاجتنا ورغباتنا أيَّاً كانت وعلى كل مرتبة من مراتبها تربط بينها وبين صفة وتجلي لعظمةٍ إلهية.

بعض الروايات التي تثبت أحقية المنهج الرابع :
لنبدأ بقراءة ما ورد عندنا من روايات تيسر لقلوبنا وتفتح لعقولنا هذه الحقائق وهي أن غاية هذه الأدعية وهذه الليالي و الساعات هي أن نستغلها في السير لإدراك ومعرفة كمال الله عز وجل .
1- في المحاسن عن زرارة عن الإمام الصادق (علهم السلام ) في تفسير قوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى) (سورة الأعراف 173) قال (عليه السلام ) (كان ذلك معاينة الله ) بمعنى أن هذا الخطاب الإلهي (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) وكون هذه الشهادة على البشر أجمع من آدم إلى آخر الخلق بغض النظر عن استيعابنا عن الموقع وأين ومتى ؟! إلا أننا ندرك أن هناك حقيقة ثابتة في هذا الوجود نحن شاهدون عليها ، لا أنه أمر وقع لأبينا آدم ، لأن الخطاب لمن ؟؟ ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى) (سورة الأعراف 173)الخطاب للذرية ، لنا نحن (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) يقول الإمام (عليه السلام) (كان ذلك معاينة الله ) نحن وجودنا يقر ويعترف بشهادة حقيقية بمعرفة الله عز وجل . ثم يقول ( عليه السلام) ( فأنساهم المعاينة ) أي غفلوا ، نزولنا ووجودنا في هذه الدنيا وفي هذه المرتبة من الوجود يقتضي لإتمام باب الامتحان أن نكون محجوبين عن تلك المشاهدة ، لكن حجاب ماذا ؟ هل حجاب جهل أم حجاب عدم معرفة ؟
لا ، حجاب الانشغال والغفلة ولولا ذلك لم يعرف أحد خالقه ورازقه وهو قول الله (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) ( سورة الزخرف 87) نحن حينما نتصور أننا نقرأ هذه الأدعية لأجل أن نقضي هذه الحاجة أو تلك ، ونمر على هذه المقاطع التي تُذكر فيها صفات الله غافلين غير ملتفتين ، ونتصور أن هذه المعاني محجوبة عنا ، فإننا ننكر حقيقة شهدت بها أنفسنا وأقررنا بها ، والمقصود من هذا القرآن ومن هذه الأدعية هي تذكيرنا بهذه الحقيقة لرفع الغفلة من قلوبنا.

2- في حديث عن الصادق ( عليه السلام ) رواه الشيخ الصدوق في التوحيد عن أبي بصير ، قال قلت له أخبرني عن الله عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة ؟ - هذه المسألة أصبحت محطاً مشاراً للسؤال بسبب الروايات التي تذكر وتتداول في الثقافة العامة السنية بأنكم سوف ترون ربكم يوم القيامة - قال ( عليه السلام ) : نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة . أي ليس فقط في ذلك اليوم بل نحن رأينا الله عز وجل - فقلت متى ؟ قال ( عليه السلام ) : حينما قال لهم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى) ثم سكت ( عليه السلام ) ثم قال ( عليه السلام ): ( وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة ألست تراه في وقتك هذا ) هذا الحديث ذو أسرار وعجائب ، و أحد هذه العجائب أن أبا بصير أعمى والإمام ( عليه السلام ) يثبت حقيقة معرفة قطعية تامة لله عز وجل ، معرفة ليست هي فقط عن طريق الإثبات والبرهان العقلي ، وهذا النحو من المعرفة سيان فيه بين البصير وغير البصير ، لأن أبا بصير أعمى لا يرى (ألست ترى الله الآن ) .
نحن لسنا فقط سوف نرى الله يوم القيامة بل نحن رأيناه قبل ذلك ثم قال ( عليه السلام ) ( إن المؤمنين ليرون الله في الدنيا ) ثم قال له ( أنت ترى الله ) هذا يدل على أنه هناك كشف تام حقيقي في داخل نفوسنا ، كما نعلم بوجود أنفسنا ونجزم بوجود هذا الكون من حولنا نحن نعلم بصورة يقينية أن الله معنا (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ) (سورة المجادلة 7) حينما نقرأ في الدعاء هذه الصفات لله عز وجل فإنما نتحدث عنها مشيرين بها إلى لله عز وجل.

المقابلة بين النعم الإلهية وفعل العبد :
(حَمْدُ للهِ الَّذي يُجيبُني حينَ اُناديهِ، وَيَسْتُرُ عَلَيَّ كُلَّ عَورَة وَاَنَا اَعْصيهِ، وَيُعَظِّمُ الْنِّعْمَةَ عَلَىَّ فَلا اُجازيهِ ، فَكَمْ مِنْ مَوْهِبَة هَنيئَة قَدْ اَعْطاني)
يعود الإمام ( عليه السلام ) هنا إلى تكرار المقابلة بين نعم الله عليه وبين غفلته عن الله ، بين نعم الله علينا وغفلتنا عنه سبحانه ، لأن الكرم في تلك الحالة أعلى وأخص من الكرم الابتدائي ، الستر في تلك الحالة أخص من الستر الابتدائي والنعمة في تلك الحالة أعظم من النعم الابتدائية (وَيُعَظِّمُ الْنِّعْمَةَ عَلَىَّ فَلا اُجازيهِ، فَكَمْ مِنْ مَوْهِبَة هَنيئَة قَدْ اَعْطاني، وَعَظيمَة مَخُوفَة قَدْ كَفاني، وَبَهْجَة مُونِقَة قَدْ اَراني، فَاُثْني عَلَيْهِ حامِداً، وَاَذْكُرُهُ مُسَبِّحاً ) في عين ذكر هذا الدعاء بتقصير الداعي في بعض الفقرات فهو يقر أيضاً أنه حينما يرى هذه النعم الإلهية ويتحرك نحو تلك النعم فهذا نوع ثناء!!
كلما ازددت معرفة بالله كلما ازددت معرفة بأن أمر الله أعظم من أن يدرك .

(اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لا يُهْتَكُ حِجابُهُ، وَلا يُغْلَقُ بابُهُ) مهما سعى الإنسان في معرفة الله ومهما عبده وأطاعه وأخلص في عبادته فانه لن يصل إلى معرفته التامة !! لأنه ليس هناك حد يصل فيه الإنسان أن يبلغ المرتبة النهائية التي ليس بعدها مرتبة في بلوغ الحاجات والأماني . وكلما بلغ الإنسان مرتبة كلما انكشف له أن أمر الله أعظم وأن جهله بالله أكبر .
(وَلا يُغْلَقُ بابُهُ) أي أنه مهما بلغت بك مراتب نعم الله ورحمته ، فإن باب الله مفتوح لك إلى نعم أعلى فلا يغلق عليك بابه ، ولكنك لن تصل إلى حد تنال فيه كل رغبتك من الله عز وجل .

الوجود بأسره خاضع لله :
( وَالْحَمْدُ للهِ قاِصمِ الجَّبارينَ، مُبيرِ الظّالِمينَ، مُدْرِكِ الْهارِبينَ، نَكالِ الظّالِمينَ صَريخِ الْمُسْتَصْرِخينَ، مَوْضِعِ حاجاتِ الطّالِبينَ، مُعْتَمَدِ الْمُؤْمِنينَ، اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي مِنْ خَشْيَتِهِ تَرْعَدُ السَّماءُ وَسُكّانُها، وَتَرْجُفُ الاَْرْضُ وَعُمّارُها، وَتَمُوجُ الْبِحارُ وَمَنْ يَسْبَحُ في غَمَراتِها) السماء بملائكتها ، بمن فيها من أصحاب الأمر والنهي بالأرواح التي تعالت إلى سماء الله كلها ترتعد فرائصها من خشية الله ، وسكان هذه الأرض صالحهم وطالحهم ، دابهم وماشيهم حتى من يتجبر ومن يظن أنه قد خرج عن أمر الله هو في واقعه يرتجف كما ترتجف الأرض من الله عز وجل ، ليس هناك أحد إلا و في قلبه خوف ورهبة !! المرؤوس يخاف من رئيسه والوزير يخاف من مليكه والملك يخاف من عدوه ، ومن لا يخاف من عدو يخاف الموت ، ومن يغفل ويتناسى هذا الأمر ، فإن هذا الأمر لا يغيب وإن هذه الحقيقة لا تندثر بمجرد إعراضنا عنها ، كل ما نخافه ونعتقد أنه بيد أحد فهو حقيقة بيد الله عز وجل ، هذا الذي نخافه حقيقة هو الله عز وجل !!

الهداية الإلهية :
( الْحَمْدُ للهِ الَّذي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا اَنْ هَدانَا اللّهُ ) هدانا الله إلى التوحيد والإيمان بالنبوة والولاية والإيمان بكتبه وأنبياءه واليوم الآخر والبعث والنشور كل هذا هداية من الله ، ولكن ربما يظهر من هذه الفقرة أنها تريد أن تشير إلى ما تحقق في هذا الدعاء نفسه من هداية ، هذا التعرف على ما جاء من الجمل المدحية والثنائية على الله عز وجل وقراءتها باللسان وتحقيقها في القلب ، هذا مزيد هداية يستوجب منا أن نحمد ونثني على الله عز وجل (الْحَمْدُ للهِ الَّذي هَدانا لِهذا) ما في هذا الدعاء من ثناء على الله (وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ) لولا أن الله منّ علينا بمن يعرفنا هذه الحقائق .

الحمد الختامي :
(اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي يَخْلُقُ، وَلَمْ يُخْلَقْ وَيَرْزُقُ، وَلا يُرْزَقُ وَيُطْعِمُ، وَلا يُطْعَمُ وَيُميتُ الاَْحياءَ وَيُحْيِي الْمَوْتى وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ) هذه حمد ختامي لمقاطع هذا الدعاء ، حمد بتوحيد الله وتوحيد غنائه عن خلقه ، حمد بتوحيد وجوبه وإمكان خلقه ، حمد بتوحيد غناه وفقر خلقه إليه ، حمد بتوحيد أن الله هو المعطي والمالك وأن المخلوقين كلهم محتاجون إليه . نحن نختتم هذه الفقرة بحمد الله عز وجل .
والحمد لله رب العالمين.

التعديل الأخير تم بواسطة بثينه عبد الحميد ; 06-26-2016 الساعة 05:18 PM
رد مع اقتباس