��بسم الله الرحمن الرحيم ��
✨شرح دعاء الافتتاح ✨
سلسلة دروس القاها سماحة الشيخ الفاضل
☄عبد المحسن النمر ☄
في شهر رمضان 1422ه في الدمام يشرح فيها بعض معاني دعاء الافتتاح
الدرس السادس : الغاية من الحمد
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والصلاة على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيراً.
(اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي يُجيبُني حينَ اُناديهِ، وَيَسْتُرُ عَلَيَّ كُلَّ عَورَة وَاَنَا اَعْصيهِ، وَيُعَظِّمُ الْنِّعْمَةَ عَلَىَّ فَلا اُجازيهِ )
تلخيص ما مضى :
حاولنا في الدروس الماضية أن نشير إلى أن الحمد هو أصل الدعاء ، والدعاء هو أصل العبادة والعبادة هي أصل الخلق وغايته ، والغاية من العبادة وكمالها الدعاء ، والغاية من الدعاء وكماله الحمد .
وتلخيص هاتين النقطتين وعلاقة الدعاء بالحمد نستفيده من الروايتين اللتين نُقلتا عن الإمام الباقر والإمام الصادق ( عليهما السلام ) :
الرواية الأولى : ( إنما هي المحمدة ثم الدعاء ثم الإعتراف ثم المسألة ) بمعنى أنه لا يتحقق الإقرار بالذنب ، والدعاء ، والمسألة إلا بحمد الله عز وجل .
الرواية الثانية : ( إن من شُغل بحمد الله عن المسألة أعطيته أفضل مما أعطي .... ) أي أن حمد الله لا يُستغنى عنه ويُستغنى به ، لا يتحقق دعاء الله وسؤاله إلا بحمده ، أي يتحقق الدعاء بالحمد دون غيره .
إذا جمعنا هاتين الروايتين نصل إلى نتيجة علاقة الحمد بالدعاء.
فيتلخص :
المرحلة الأولى حددت لنا أن الحامد سائل لله عز وجل .
في المرحلة الثانية حاولنا أن نتحدث أن الحامد لله والمثني عليه بأنواع الثناء عارفاً لله - أي في طريق تحقيق المعرفة بالله- ، لا بأس أن نتوقف عند هذه النقطة لنرسخ معنى العلاقة بين حمد الله وبين معرفته .
المسألة الأولى : الغاية الحقيقية للدعاء هي الوصول لمعرفة الله :
هذه النقطة أشرنا إليها سابقا وهي أن معرفة الله هي المقصودة بالذات وأن العبادة والطاعة والأعمال الصالحة مقصودة من أجل معرفة الله ؛ اليوم نريد أن نوضح بصورة أكثر تفصيلاً كيف نتعرف على الله ؟ إذا كانت معرفة الله هي أسمى مقاصد هذا الوجود ، بمعنى أننا في سنتنا يسجل لنا صيام وصلاة على قلة حالنا وضعف أعمالنا فكرم الله يشمل حتى هذا المقدار من آمالنا عبادتنا ، تقرباتنا ، طاعاتنا ، سعينا ، وعملنا الصالح الذي قمنا به في السنة الماضية بل وسائر السنوات الماضية .
خلاصته ومضمونه أن المحصلة التي بها تحقق القربى والكرامة عند الله عز وجل هي بمقدار ما رسخ في قلوبنا من معرفة الله ، إذا مضت ليالي هذا الشهر الشريف بل إذا مضت ليالي أعمارنا ونحن نقرأ الأدعية ونختم القرآن في كل شهر أو كل شهرين أو ... ونحن نتصور أننا نحقق الأجر والثواب والكرامة عند الله دون أن نتقدم خطوات في معرفته !! إننا بحاجة إلى إعادة تنظيم لتكوين معرفتنا بمعاني العبادة لله عز وجل !! فإذا كنا نقرأ الأدعية وكل نظرنا إلى أن قراءتنا مستحبة ويرتكز في ذهننا ما ورد من ثواب ؛ وأن من قرأ هذا الدعاء – مثلا- يدفع عنه البلاء ويفتح له أبواب الرزق ، وله في دعاء كذا قصر في الجنة !! وجعلنا غايتنا هو هذا ، ولم نلتفت إلى معاني وفقرات الدعاء ؛ فإنه علينا أن نتذكر الآية القرآنية (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) (سورة البقرة 186) إن شاء الله لا نكون ممن يفهم الآية ويعمل لأجل ( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (سورة البقرة 186 ) فقط ، وننسى (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (سورة البقرة 186). يقول السيد العلامة ملخصاً غاية الشرائع السماوية الإلهية وخاصة الشريعة الإسلامية أنها تهدف في جميع أمورها وكلياتها لتوجيه الإنسان إلى الله ، أي إجمالي الشرائع الإلهية وفي كل فقرات النسك والأدعية والصلوات فإن الغرض منها هو توجيه وجه الإنسان وصرفه إلى الله تعالى .
هذه هي النقطة الأولى التي أردنا أن نعيد التأكيد عليها.
المسألة الثانية : هل يمكن معرفة ذات الله سبحانه وتعالى ؟؟
كيف نتعرف على الله عز وجل ؟ لا شك أن معرفة الذات الإلهية التي هي مكنونة عن كل عين ومحصنة عن كل وهم مستحيلة بل غير ممكنة . الله ذاته المقدسة لا يمكن للمخلوقين من أولهم إلى آخرهم من أدناهم إلى أشرفهم أن يكون لهم نحو إحاطة بذات الله . الممكن لا يمكن أن يكون له إلى واجب الوجود طريق إحاطة ومعرفة (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) (سورة الأنعام 103) (وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) (سورة الأنعام 91 ) (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) (سورة طه 110). وقال الإمام الصادق ( ع ) (من نظر في الله كيف هو هلك ) الروايات عندنا كثيرة في هذا المجال مفادها أن ذات الله لا يحدها حد ولا يمكن للمخلوقين أن يحيطوا بها علما .
المسألة الثالثة : سبيل معرفة الله :
إذا كان لا يمكننا أن نحيط علماً بذاته ، وذاته أجل من أن تدركها أفكار المفكرين ، فما الطريق إلى معرفته سبحانه؟
الجواب : الطريق إلى معرفة الله هو التعرف عليه من خلال أسمائه وصفاته جل وعلا . حينما تتجلى ذات الله المقدسة للخلق , وتظهر قدرة الله وكرمه في مراتب هذا الوجود فإننا نتعرف على الله بهذه الأسماء والصفات والكلمات والمعاني التي في أذهاننا ونشير بها إلى أسمائه وصفاته والتي هي مشيرة إلى ذاته .
مسالك معرفة الله :
المسلك الأول الذي يذهب إليه الأغلب الأعم من أتباع الديانة الإسلامية أو يذهب إليه طائفة كثيرة منهم وهي أن معرفة الله في الدنيا تقتصر على نسبة ما جاء من أسماء وصفات لله كما جاءت وذلك بالتسليم بما ورد في كتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ). مثلا ورد في القرآن أن الله سميع فنقول إن الله سميع ، وورد أن الله بصير فنقول إن الله بصير , وهكذا كل صفة ينسبها الله لنفسه في كتابه أو وردت في الأحاديث الصحيحة على لسان رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم ) نقر ونعترف بها ، وأما إدراك حقيقتها فهذا ليس من شؤوننا . الدين إذن هو تطبيق هذه العبادات وإتباع الأوامر واجتناب النواهي التي جاءت كتعاليم من الله ، نعم في الآخرة سوف نرى الله كما نرى البدر في ليلة التمام ، أما في الدنيا فنحن نحفظ ونقر بما جاء من الصفات والأسماء في كتاب الله ولا نشغل أنفسنا بالنظر فيها ولا في أنها تجوز أو لا تجوز أو صحيحة أو غير صحيحة ، ورد بأن لله يد نقول أن لله يد ، ورد بأن يد الله فوق أيديهم فنقول أن لله يد ، ورد أنك بأعيننا فنقول إن لله عين . ما معاني هذه الأمور ؟ هذا ليس من شأننا ، الدين ليس له علاقة بأن نعرف هذه الأمور ، ننسبها ونقر بها لله كما وردت وفقط .
هذا منهج معروف والأغلب الأعم من المسلمين يقرون به ، وهذا المذهب مذهب قطاع الطرق ، مذهب من يقيم الحواجز في التعرف على الله ، لو كان الأمر هكذا فما معنى كل هذه الآيات القرآنية التي يتكرر فيها مرة بعد أخرى صفات الله وأسمائه !!
بحسب منهج أهل البيت ( عليهم السلام ) فإن هذا النموذج الفكري - كما ذكرت - نموذج لقطاع الطرق عن الله ، أي نحن نصلي لكن أهم ما في الصلاة أن نصطف في الصف الصحيح ونقرأ بشكل صحيح ، وترفع يديك ، وتضع يديك على صدرك بشكل صحيح !! هذه الصلاة تدور حول تطبيق الأفعال كما أمر بها الله ، بغض النظر أنهم اتبعوا التعاليم التي تدلهم على العمل ولو العمل الظاهري بشكل صحيح أو لا !! فإن هذا المنهج حتى لو سلكه أتباع أهل البيت ( عليهم السلام) فهذا المنهج باطل ، وسوف نثبت ذلك.
المسلك الثاني :
وهو المنهج العقلي والفلسفي الذي يبحث عن منطقية هذا الوجود وارتباط حقائق الموجودات ببعضها البعض ، منهج عقلي -ربما تعرضنا إليه سابقاً - يعتمد على الفكر وعلى البحوث النظرية والفكرية .
المسلك الثالث :
منهج أهل العرفان والتصوف وهؤلاء يحققون أن النفس الإنسانية لها القدرة على أن تتهيأ بالتصفية والتطهير من الانشغال عن غير الله لكي تكون مؤهلة للتعرف على الله ، ثم بعد الانشغال بالأذكار والتأملات والرياضات تتجلى للسالك في هذا المنهج بريق أمل تنزل صفات الله على قلب الإنسان.
المسلك الرابع :
وهو منهج جامع لكل أنحاء التعرف على الله ما عدا المنهج الأول لأن هذا المنهج يقطع الطريق إلى الله
المسلك أو المنهج الصحيح :
... يتبع