عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 06-15-2016, 08:51 PM
بثينه عبد الحميد بثينه عبد الحميد غير متواجد حالياً
Member
 
تاريخ التسجيل: Mar 2016
المشاركات: 94
افتراضي تابع الدرس الثالث ..أنواع الحمد

الدعاء استئذان يستبطن الحمد:
هذه الفقرات التي ذكرناها استئذان واعتذار ولكن في نفس الوقت تستبطن الحمد أيضاً . فلو نظرنا لها من الجهة الأخرى لوجدنا أنها مبدأ الحمد حينما يقول ( عليه السلام ) (وَاَيْقَنْتُ اَنَّكَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرّاحِمينَ في مَوْضِعِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ ، وَاَشَدُّ الْمُعاقِبينَ في مَوْضِعِ النَّكالِ وَالنَّقِمَةِ وَاَعْظَمُ الْمُتَجَبِّرِينَ في مَوْضِعِ الْكِبْرياءِ وَالْعَظَمَةِ، اَللّـهُمَّ اَذِنْتَ لي في دُعائِكَ وَمَسْأَلَتِكَ فَاسْمَعْ يا سَميعُ مِدْحَتي) هذه استئذانات ومقدمات تستبطن حمد الله عز وجل ، أو هي حمد في لباس الاستئذان .؟!

البداية بصريح الحمد:
الفقرة الأولى يرد فيها الحمد بصراحة (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً وَلا وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في الْمُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِىٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبيراً) تلك الفقرات فيها الحمد مستبطن لكن لو أردنا فقرة يرد فيها الحمد الصريح لوجدنا أن هذه الفقرة هي أول فقرة يرد فيها الحمد الصريح ، البقية كانت كلها دعوات وتبرير وإن كانت مليئة بالمحامد لله عز وجل .

الحمد التوحيدي :
(اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي َلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في الْمُلْكِ) وهذه قضية توحيدية ذكرها القرآن في عدة مواضع لأنه قد ابتلي الإنسان في توجهه للخالق والمعبود بعدة ثغرات فكرية وقعت به في الشرك ، فتصور الإنسان أن هذا الخالق الموجد شأنه شأن هذه الموجودات ، وأن هذا العالم تولد منه كما نرى كيفية الولادة ، فالتولد هي الظاهرة الطبيعية في بعض الموجودات ( الحيوانات ، الإنسان ) ، بل حتى الأشياء المادية المختلفة ، فلا نجد شيئا ينبع بدون مقدمة وإنما له صورة ووجود سابق ، ثم يكون نوع ازدواج بين شيئين ينتج منهما شيء ثالث ، ومنها تسربت هذه الفكرة على ذهن الإنسان و هيمنت عليه ، و لجهله وقصوره حكم على البارئ عز وجل أن شأنه شأن سائر الموجودات من ظهور تولدي ، فأول فقرة واردة في الحمد هي بصدد نفي هذا التصور .
والقرآن ذكر أن اليهود والنصارى وأيضا الكفار وقعوا في هذا التوهم فهذه الفكرة شملت الكل . وإذا أردنا أن نعمم فكرة التوحيد والولادة والتولد لوجدنا أن كل مشرك بالله عز وجل ينشأ شركه من اعتقاده أن الموجودات تمر بعملية الظهور من ازدواج حالتين تنتج منهما حالة ثالثة ثم هذه الحالة الثالثة تظهر بالتدرج في حالات أخرى فظاهرة التولد ظاهرة تصيب العقل البشري من السابقين واللاحقين (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (التوبة 30) وقدم القرآن في آيات كثيرة نفي لهذا التصور وبين سبب الخلل الذي وقعوا فيه .
بداية الحمد أن هذا التخيل الذي تتخيلونه في أن الله وجد بموجود قبله ورث منه الوجود والحياة ثم نحن تولدنا منه تخيل غير صحيح فلله الحمد حيث لا صاحبة له ولا ولد (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً وَلا وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في الْمُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِىٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبيراً )
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في الْمُلْكِ ) هذه العبارة واضحة وإن كانت ذات معنى أعمق وأنه لا شريك لله في الملك لا إله ولا نبي ولا إنسان ولا أي موجود شريك له سبحانه في ملكه ، بل أنت ايها الانسان لست شريكاً لله عز وجل حتى في نفسك وقدرتك وما لديك ، فكل ما في هذا الوجود ملك محض لله عز وجل حتى أنفسنا ومشاعرنا .
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِىٌّ مِنَ الذُّلِّ) لم يكن لله من يكون معين له يملك عليه القدرة والهيمنة بسبب حاجته له ، ليس هناك شيء في هذا الوجود يحتاجه الله حتى يكون ولياً له عز وجل .
(وَكَبِّرْهُ تَكْبيراً) نتيجة هذا الثناء على الله عز وجل والحمد له أنه كبروا لله عز وجل ، أي الله أكبر مما نتخيل ونتصور ، وأكبر من كل صورة ذهنية تخطرعلى ذهن الإنسان وأكبر من كل كبير ، الله عز وجل له الكبرياء والعظمة المطلقة .


الحمد التحميدي :
(اَلْحَمْدُ للهِ بِجَميعِ مَحامِدِهِ كُلِّهَا) هذه ثاني فقرة يتكرر فيها الحمد صراحة ، الفقرة الأولى من الحمد فيها أربعة أركان أما هذه الفقرة فهي واحدة .
الفقرة الأولى توحيدية بحتة أما هذه فهي حمد تحميدي بمعنى إن هذا الحامد كأنما يريد أن يحمد الله عز وجل ثم لا يعرف كيف يحمده ولا يدري بأي شيء يحمد الله عز وجل فيقول (اَلْحَمْدُ للهِ بِجَميعِ مَحامِدِهِ كُلِّهَا ) قد يكون لها معنى آخر ولكن الأقرب أن الله قد مدح نفسه ، ولا شك أن المادح الوحيد لله هو الله لأن مدحنا ومدح سائر الموجودات لله عز وجل إنما هو بقدر سعة وجودهم وفكرهم ، فكل حامد يحمد الله إنما حمده راجع على نفسه وقدرته وبحسب امكاناته ، ومن التجسر و الجرأة على الله أن تقول إننا نحمدك يا رب ، أو أننا نعرف كيف نحمدك . فنحن نتلفظ بما ورد في القرآن ، ولكن نحن نعرف أن المسألة ليست مسألة ألفاظ و لو كانت المسألة مسألة ألفاظ لربما كان الذي يحفظ الكلام يعرف كيف يحمد الله عز وجل ؛ إنما المسألة مسألة إدراك ومعرفة وتحقق . فأول فقرة بعد فقرة التوحيد هي التحميد المطلق لله عز وجل ، يا رب أنت حمدت نفسك فأنا بجميع ما حمدت به نفسك مما جاء على لسان أنبيائك وبما نزل في كتبك السماوية فإنني أنسبه إليك (اَلْحَمْدُ للهِ بِجَميعِ مَحامِدِهِ كُلِّهَا) وأنا أسلم بأن هذه المحامد ليست مني ولا تنسب لي ولا أنا الذي أدرك معناها ولكن كما أثنيت على نفسك وأنت أعلم بنفسك وكبريائك وعظمتك ، فكما أثنيت على نفسك ذلك الجلال والكمال والتسبيح والتقديس الذي نسبته إلى نفسك لا التسبيح الذي أنا أعرفه ولا التقديس والجلال الذي أنا اعرفه وإنما الجلال والعظمة الذي نسبته إلى نفسك أنا أنسبه إليك .
(اَلْحَمْدُ للهِ عَلى جَميعِ نِعَمِهِ كُلِّها ) كل نعمة من نعمك يا رب هي مظهر لكل محامدك كل نعمك يا رب هي ابتداء وعطاء بلا استحقاق وهي مظهر لجميع جمالاتك ، فنحن يصعب علينا أن ندرك هذا المعنى لكن نعم الله الجليلة مظهر لحمده ، ونعمه التي نراها صغيرة هي مظهر لجميع محامده أيضاً .


الفقرة الثالثة والرابعة في الحمد
الفقرة الثالثة (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لا مُضادَّ لَهُ في مُلْكِهِ، وَلا مُنازِعَ لَهُ في اَمْرِهِ)
أي لا يوجد هناك اثنان متضادان في الملك وربما تكون هذه الفقرة تفصيل أو قرينة لما مر أنه (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في الْمُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِىٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبيراً، ، وَلا مُنازِعَ لَهُ في اَمْرِهِ،) وهذه أيضاً ربما فقرة تفصيلية لما مر بمعنى أن الله عز وجل الذي يحكم على جميع هذه الموجودات لا يوجد أحد له حكم مع الله ، قد نتخيل نحن مثلاً ملك يأمر والوزراء ينفذون أوامره فلا بد أنه يحدث في تسلسل هذه الأوامر خروج لرغبة ذلك الملك فلا تقع الأمور تماماً على ما يريده ، نحن لا نبعد هذا التصور عن الله عز وجل نحن في خيالنا نتصور أن الله أمر الناس بالخير لكن الناس فيهم من أطاع وفيهم من عصى فحدث - استغفر الله - عدم استجابة تامة لما أراده تعالى . يرتسم في عقولنا أن الله سبحانه أمرالناس وأرسل الرسل والملائكة والأسباب والمسببات ولكن الناس عصوا فنازعوا الله في أمره بكيفية ما أو بأخرى هذا الذي نراه ليس بحق ، إنما الحق أن كل ما يجري في هذا الوجود هو بإرادة إلهية لا تتخلف ذرة واحدة .

يتبع
رد مع اقتباس