تابع شرح دعاء الإتتاح ..الدرس الثاني ..معنى الحمد
العلاقة بين السؤال والحمد :
السؤال قرين المعرفة ، والمعرفة هي الحمد ؛ أي أنت بقدر ما تكون حامداً لله تعالى تسأل الله تعالى .
لاحظوا العلاقة بين السؤال والحمد !! السائل حامد بالطبع ، عندما تسأل الله تعالى : يا رب أعطني مالاً !! سؤالك هذا ظاهره طلب وهو يستبطن أنه أنت يا رب مالك الأموال فالسؤال قرين الحمد . لا سؤال إلا من حامد لكن هذا الحامد نظره الأصلي إلى حاجته ونظره الباطني إلى الله تعالى أنه هو المعطي ؛ فالسائل ظاهره وأصل طلبه وسؤاله طلب للمال مثلا !! ولكن حاله مستبطن للحمد .
الحامد على خلاف ذلك ؛ فالذي يحمد الله عز وجل ويقول يا رب أنت الكريم وأنت المعطي وأنت الرازق حتى بدون أن يسأل الرزق !! عندما يقول يا رب أنت الكريم ويتعلق قلبه بهذا الكرم الإلهي فإنه أصبح الآن في موضع إفاضة الكرم الإلهي بمقدار ما تعلق من قلبه بكرم الله، أصبح هو موضوعاً لظهور كرم الله عز وجل .
ولهذا ورد في الروايات أنه إذا أصابتك مصيبة فأكثر من قول ( يا رؤوف يا رحيم) مجرد قولك (يا رؤوف يا رحيم ) لا أن تقول نجني مثلاً !! وذلك بتعلق قلبك بالرؤوف الرحيم ستكون موضوعاً لظهور الرأفة والرحمة في داخلك ؛ فالحمد والسؤال أمران متقاربان ولهما علاقة يستبطن كلاً منهما الآخر - إذا كانت عبارة يستبطن صحيحة -
الحامد إذا حمد الله عز وجل وتبلغت معاني الحمد من قلبه أصبح مظهراً لظهور آثار ذلك الحمد ، ولهذا عندما يقولون عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( من شغله الثناء عن المسألة لنفسه أعطيه أفضل ما أعطي السائلين ) حديث قدسي .
لماذا ؟ لأن نفس الحمد والثناء على الله عز وجل موجب لأن يكون الإنسان مظهراً وموضعاً لإفاضة تلك الجهة الحمدية التي حمد الله عز وجل بها . حينما تحمد الله على أن الله هو الشافي المعافي تقع نفسك موضع من تظهر عليه أثر ذلك الاسم فيكون الإنسان محلاً لشفاء الله عز وجل , حتى وان لم يقل يا رب أشفني .
درجات الحمد :
النقطة التي نريد قولها علينا أن ندرك أنه حينما نحمد الله تعالى فإننا نخطو الخطوات الصحيحة لكي نبلغ خطوات الكمال . نحن لا نقول هذه هي الغاية التامة من الحمد بل هذه بدايات الحمد ؛ بداية معنى الحمد أنه حينما أقول ( الحمد الله الذي يعطيني والذي يهب ) فإنه إذا صدق إدراك هذا المعنى في قلبي فإنني أكون موضعاً لجهة الإعطاء وجهة الوهابية من الله عز وجل . سوف نلاحظ في هذا الدعاء نحو من التلازم بين جهة الحمد لله وجهة السؤال ؛ المقطع الأول عشرون أو أقل من الفقرات كلها حمد ، ولكن نلاحظ في بعضها سؤال كأن السؤال مستبطن داخل الحمد . وفي بعض الفقرات يظهر بمناسبة حمد الله أنه هو المعطي ، هو الكريم ، هو الوهاب ، يظهر لنا مقطعاً من السؤال . وهذا ظهور أمر قد استُبطن وظهور أمر يناسب أن يخرج في ذلك الموضع .- إن شاء الله - يصبح ركيزة من ركائز دعائنا وعباداتنا لله عز وجل أن نلتفت أن الحمد اقرب طريقة لبلوغ ما نتمناه ، أقرب حتى من السؤال . الحمد لله تعالى أقرب حتى من السؤال وهذا ما أخبرنا به رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وما يفيدنا به المنهج العقلي . قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) هو الدليل . ويتضح لنا أن أقرب شيء لتحقيق غايتنا ورغباتنا ومسائلنا هو الحمد.
وهناك بعض الأدعية التي هي في موارد الحاجة والفاقة والشدة ، إذا نحن قرأنا هذه الأدعية نجد أن الدعاء أغلبه كان حمداً مع أن الإنسان في موضع شدة وكان ملتفت لحاجة ولكن الدعاء أغلبه هو حمد وثناء على الله عز وجل بالجميل وما هو أهله من الثناء ثم يأتي ذكر الحاجة كنوع من التطمين للإنسان ونوع لبيان فقرة وحاجته إلى الله عز وجل . نعم بهذا نكون قد أعطينا مقدمات ونقاط تصلح لأن تهيأ لنا الدخول في فقرات هذا الدعاء .
أفتتح كمالي بحمدك يا رب :
وهنا نستعين بالله تعالى لنبدأ أول فقرة في الدعاء ( اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ، وَاَيْقَنْتُ اَنَّكَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرّاحِمينَ في مَوْضِعِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَاَشَدُّ الْمُعاقِبينَ في مَوْضِعِ النَّكالِ وَالنَّقِمَةِ، وَاَعْظَمُ الْمُتَجَبِّرِينَ في مَوْضِعِ الْكِبْرياءِ وَالْعَظَمَةِ )
( اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ) من هنا أخذ اسم الدعاء ، أي أني يا رب أشرع وأجعل مدخلي ومولجي وطريقي إلى عبادة الله والتقرب لله سبحانه والسير والسلوك أجعله منطلقاً من حمد الله عز وجل ( اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ) وكأن الإمام ( عليه السلام ) يضع لنا قاعدة يجب أن نتحرك منها ، نحن قد عزمنا !! نفهم من الفقرة الأولى أنه لدينا عزم على أن نشرع في حمد الله عز وجل حتى تفتتح لنا أبواب الثناء على الله التي تسوقنا إلى الكمال فإننا نشرع بحمد الله .
من الذي يحمد الله وكيف نحمد الله ؟
حينما نريد أن نحمد الله لا بد أن يكون لدينا أولاً إدراك منطلق من وسائل الحس فأول ما يدرك الإنسان الأشياء المحسوسة فاليد تلمس والعين ترى والأذن تسمع ولو لم تكن هذه الأمور الحسية موجودة فإنه لا تتوفر أسباب المعرفة الإدراكية العلمية . فمبدأ معارف الإنسان من أحاسيسه ، رؤية جمال الأشياء وسمع جميل الأصوات ، وهكذا . وبهذه الأمور تترقى إدراكاتنا ومعرفتنا ونحتاج إلى ذلك العقل الذي وهبنا الله عز وجل وبه توسعت مدارك معرفتنا فأصبحنا نعرف الكرم والخير والجمال بأشكاله . الإمام ( عليه السلام ) يعلمنا أنه لكي نتمكن من استغلال كل هذه الخيرات والنعم الإلهية بطريقة صحيحة تقودنا إلى بلوغ الغاية التي هي حمد الله عز وجل لا بد أن يكون هذا بتوفيق وهداية من الله عز وجل .
( اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ) أي رب أنا أحمدك ولكن (وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ ) هذه الفقرة قد تكون محمولة على العموم أي هذه يا رب أول فقرة أحمدك بها أي أنت يا رب تسدد للخيرات ؛ لكن الأقرب أن تكون هذه الفقرة ناظرة للفقرة التي قبلها مباشرة يعني يا رب أنا حينما أريد حمدك فإنني لا أستطيع أن أحمدك إلا بمنك ، والمفسرون الذين فسروا سورة الفاتحة يقولون(بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (البسملة يتبعها (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أي رب ( الحمد ) ولكن هذا الحمد لا يكون إلا (بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فيقولون إن التوفيق لحمد الله تعالى لا يكون إلا بفيض جود الله ونعمه وهدايته ، وهذا ينطبق على هذه الفقرة (اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ ) أنا يا رب أريد أن أحمدك ولكنني في حاجة إلى منك .
منك : يعني عطاؤك وإفاضتك لكي أتمكن من تحقيق هذه الغاية (اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ) أي أنت الذي تسددني يا رب لكي أحمدك حمداً يليق بك .
الحمد بقدر إدراك الحامد ومعرفته . كم من إنسان يريد أن يمدح إنسانا آخر، شخص يريد أن يثني على شخص آخر فيثني عليه بأمور لا تناسب مقامه ؛ فكيف بمن يريد أن يمدح الله عز وجل !! ليس أمراً متيسراً أن يوفق الإنسان لمدح وحمد الله عز وجل ، بل على رأي العلماء ليس أمراً ممكناً أصلاً . أي ليس هناك مادح لله تعالى مطلقاً ، لماذا ؟ لأن المدح والثناء والحمد يقتضي المعرفة ومن ذا الذي يعرف الله حق معرفته ليمدحه . رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الذي هو الغاية الكامل في الخلق حينما يمدح الله يقول مضمون الرواية ( أثني عليك بما أثنيت به على نفسك ) فأنا لا أعرف شيء أمدحك به فكل ما نعرف من الجمال هو مقيد بقيود وجودنا وبمحدوديتنا. فنحن تعلمنا الجمال من هذه الأشياء التي حولنا ولذلك عندما نريد أن ننسب الجمال لله تعالى نمدح الله عز وجل كما عهدنا من الجمال فهو سميع قوي عليم قادر ، كلها إنما ندركها بحسب ما توصل إليه إدراكنا ، وإدراكنا لا يتم ولا يصلح للثناء عليه سبحانه ، فحتى نثني على الله عز وجل بثناء يقبله الله نحتاج إلى منّ وإفاضة من الله عز وجل ، إلى كرم منه سبحانه يتمم معانينا الناقصة ويجعلها مقبولة .
(وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ) الإنسان كلما كبرت درجته وعلت ، كلما تأسف على ما كان يثني به على الله عز وجل قبل ذلك . الذي تعلم في مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) كلما عرف وأدرك كم كان مقصرا في المدح والثناء على الله عز وجل ، ولكن مسامحةً ورحمةً به تقبل منه ، ويتدرج الناس في المعرفة إلى أن يصلوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) الذين يقولون ( وقصاراي الإقرار بالقصور ) أي إنني أقر أن أقصى شيء عندي وأكمل حالي وأعلى درجات ثنائي عليك أن أقر أنني قاصر عن حمدك ، هذا أكمل وأجمل درجات الحمد عند هؤلاء (عليهم السلام ) . ولذلك نحن في كل خطوة وفي كل محل نريد أن نحمد الله عزوجل لابد أن يحي عندنا هذا الشعور أن يا رب أنا في حاجة إلى منِّك ورحمتك ليكون هذا الحمد شيء ، لأننا حتى لو استعرنا عبارات وألفاظ الأولياء فالمشكلة في المعاني فنحن نذكر الكلام الذي عن الإمام السجاد وعن الحجة ( عليهم السلام ) ولكن لا ندرك المعاني التي يريدونها ، جميع الألفاظ ألفاظهم ولكن المعاني معانينا وتنطلق من قلوبنا . فنحن نحتاج إلى رحمة إلهية في كل خطوة نحمد الله عز وجل فيها .
(اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ) عسى أن لا أقول كلاماً أمدحك فيه وإذا بالمعنى الذي يخرج من قلبي لا يليق بشأنك يا رب - أستغفر الله- فأنا أحتاج إلى منك لأدرك ويكون معنى كلامي فيه شيء من المقبولية ليكون مدحاً لك . (وَاَيْقَنْتُ اَنَّكَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرّاحِمينَ في مَوْضِعِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ) هذه ربما تكون الفقرة الأولى من فقرات الحمد (اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ ) هذه كالمقدمة والمبينة للغاية من هذا الدعاء .
أنا يا رب أقبلت عليك في هذا الدعاء وأنا أريد أن أحمدك وأنا أحتاج لمنك وخيرك في كل خطوة وكل حركة أتحركها لحمدك وأنا يا رب موقن بأنك أنت أرحم الراحمين وأشد المعاقبين وأعظم المتجبرين .
والحمد لله رب العامين
|