تابع شرح دعاء الإفتتاح..الدرس الأول..
المقدمة الثالثة :
نبدأ بالشروع في الافتتاح من المناجاة الشعبانية بمعنى أننا سوف نأخذ من المناجاة الشعبانية ما يكون رصيداً معنوياً للحركة المعنوية في شهر رمضان ، يقول أمير المؤمنين عليه السلام فيها (اِلـهي فَلَكَ الْحَمْدُ اَبَداً اَبَداً دائِماً سَرْمَداً، يَزيدُ وَلا يَبيدُ كَما تُحِبُّ وَتَرْضى، اِلـهي اِنْ اَخَذْتَني بِجُرْمي اَخَذْتُكَ بِعَفْوِكَ،) هناك رابط بين هاتين الفقرتين ، نحن نحاول أن نشير أو نحاول فهم الرابطة بين هاتين الفقرتين (اِلـهي اِنْ اَخَذْتَني بِجُرْمي اَخَذْتُكَ بِعَفْوِكَ) ما المقصود بأخذتك بعفوك ؟ إلهي إن أخذتني بجرمي أي إن اقتضى عدلك يا رب بالنظر إلى ما جره عليّ جرمي ، إذا اقتضى هذا العبد أن أُأخذ على جرمي وأُحاسب عليه وأحصل على الجزاء والنتيجة التي تترتب على جرمي ، الجرم هو الذي يجر ورائه ما لا يحبه ولا يريده الإنسان ، جرم الإنسان وذنوبه هي مقيدات ، هي من جهة لها الآثار السيئة وهي من جهة أخرى تحدد رتبة الإنسان ومقامه ، تحدده أي تمنعه الطريق إلى الأعلى والأسمى!! الإنسان إذا أذنب ذنب بالإضافة إلى أن نتيجة هذا الذنب هي العقاب والعذاب فإن معنى هذا الذنب هو أن هذا الذنب يرهن الإنسان في حالة معينة من حالات الشقاء مثلا أو القصور أو النقص هذا هو أثر الذنب ، أثر الذنب هو كالقيد الذي يقيد الإنسان ، الإنسان إذا أذنب فإن ذنبه يكون غلاً وقيدا يُقفه عند مرحلة معينه هذه المرحلة تقتضي أن يشعر بإحساس الألم نتيجة ذنبه بما يتولد عن ذنبه من آثار . بعض الذنوب يتولد عنها آثار هي تشبه العقارب وبعضها ينشأ منها عذاب كعذاب الثعبان وبعضها ينشأ منها عذاب كعذاب النار التي تلتهم بدن الإنسان وبعض الذنوب ينشأ عنها آثار كآثار النار التي تلتهم قلب الإنسان وليس بدنه وبعض الآثار كآثار النار التي تلتهم باطن الإنسان .
في دعاء كميل هناك مقاطع غريبة تشير إلى أنه كل شيء في الإنسان له نار ، هذه نار عجيبة ، نار لا تدع شيء من وجود الإنسان لا الظاهر ولا الباطن ولا المعنوي ولا الروحي ولا الإحساس إلاّ تشعله ألما ، أي ألم ؟ ألم.. نحن الألم الذي نشعر به عندما يحترق جلد الإنسان هو أن الجلد يتوسط في نقل الحرارة إلى الأعصاب والأعصاب تنقله إلى الدماغ والدماغ يحوله إلى هذا الألم ، أما النار التي يخوفنا منها علي عليه السلام هي تصيب الضمائر مباشرة وتصيب القلوب مباشرة بدون حاجة لتوسط الجلود ، هناك نار تصيب الجلود ولكن هناك نار تصيب حقيقة الإنسان مباشرة ، وهذه النار التي تلتهم دماغ الإنسان مباشرة كيف يكون أثرها ؟ الأمير عليه السلام في دعاء كميل يبين أن النار ليست شكلا واحدا ، هذه النيران التي في الآخرة هي ما تولده الذنوب !!!.
(اِلـهي اِنْ اَخَذْتَني بِجُرْمي) الله سبحانه يوم القيامة لا يؤاخذ الناس كما نتصور ، يؤاخذك بمقتضى عدله ومقتضى حكمته بسب فعلك ، فعلك هو ولّد نارا تلتهم الأفئدة ( إلهي إذا كانت هذه الذنوب وهذه التقصيرات قد أوجبت أن أنال هذا التقيد وهذا الذي يُوقفني تحت طائل هذه النيران أخذتك بعفوك )
كيف نأخذ الله سبحانه بعفوه ؟
إذا جاء يوم القيامة وجاءت النيران وأصابت الإنسان في تلك الحال نقول يا عفو يا غفور ..!! بهذه الحالة يأخذ الله بعفوه ؟ لا ، المعنى أبعد من هذا.
إلهي إن كانت ذنوبي قد أوقفتني موقف الخزي والرهينة وموقف المُعذب فأنا يا ربي ملتجأ إلى عفوك وآخذ بعفوك أي أني طارح نفسي وجاعل نفسي تحت رحمة عفوك ، وأكون موضوعاً لتسلط عفوك عليّ ، وهذا لا يتحقق إلاّ بإدراك أن الحمد لله تعالى بمعنى أنه لولا أن أمير المؤمنين عليه السلام يعلمنا (اِلـهي فَلَكَ الْحَمْدُ اَبَداً اَبَداً) ربما لا يكون هناك معنا واضح لقوله (اَخَذْتُكَ بِعَفْوِكَ) أخذتك بعفوك الآن ترتبط بمعنى إلهي لك الحمد ...
أنت يا رب في كل الحالات وكل المراحل وكل الآنات ، أنت يا رب محمود أنت يا رب لا يصدر منك إلاّ الجميل ،أي يا رب أنا أدرك وأؤمن أنك مفيض للخيرات في كل الحالات ، أنا أعرف يا رب أن ذنوبي هذه هي نتائجها (اِنْ اَخَذْتَني بِجُرْمي) أي هذه أعمالي أجزم أنه هذه هي نتائجها وذنوبي هذه آثارها لكنني أعلم يا رب بأنك محمود في كل الحالات ، يا رب أنت لا تفيض إلاّ حمداً ، يا رب أنت لا يصدر منك إلا ما تستحق عليه الحمد ، لا يصدر منك إلاّ الجميل ومقتضى حمدك أن أكون محلاً لعفوك .
إذا لم ندرك أن الله تعالى مفيض للجمال في كل حال ولم تتعلق قلوبنا بالجمال الإلهي ولم تتعلق قلوبنا بأن الله محمود في كل حال لا نكون قد أخذنا الله بعفوه حتى لو قلنا بألسنتنا ( يا عفو يا غفور ) اللسان إذا لم يكن معبرا عن هذا الانطلاق من داخل القلب ، إذا لم يكن اللسان قد انطلق بتحريك القلب وبمشاعر الإنسان لا يكون للألفاظ نفس الآثار المترتبة ، قد يشملنا شيء من الرحمة بقلقلة اللسان ولكن هذا شيء آخر ، بعض الروايات أن رجلاً يؤخذ إلى النار فيأخذه الملائكة إلى النار فيعلو صوته ويرتفع : يا رب ، يا رب أنا كنت في الدنيا حسن الظن بك فكيف تأخذني إلى النار ؟ فيقول الله تعالى أنا أعلم أنه كذّاب لم يكون حسن الظن بي ولكن رحمة مني بهذه القلقلة اللسانية أنا آخذه إلى الجنة . أحياناً !! ربما تنفعنا القلقة اللسانية . الذي يكون عليه المعول هو أن ينطلق هذا اللسان بحقائق نابعة من القلب فعندما تقول ( يا رب اِنْ اَخَذْتَني بِجُرْمي اَخَذْتُكَ بِعَفْوِكَ) يجب أن يكون هذا الأخذ بالعفو منطلق من إدراكنا بأن الله عز وجل هو مفيض للرحمات والبركات والخيرات وأنواع الجمال والكمال في كل حال ولهذا ناسب أن يقول عليه السلام (فَلَكَ الْحَمْدُ اَبَداً اَبَداً دائِماً سَرْمَداً)
أي يا رب أنت محبوب حينما خلقت رسول الله صلى الله عليه وآله وجعلته كاملاً !!
أنت محبوب حينما خلقتني أنا الضعيف على جرمي وعلى حالي ، وما أنا فيه من الذنوب وعلى تلك الحال من السوء التي أنا فيها !!
أنت يا رب محمود ومقتضى حمدك أن تعفو عني . السرّ في كل بركة وفي كل حركة إلى الأمام وإلى الخير وإلى السعادة ننالها هو أن ندرك أن الله تعالى له الحمد .
إذا لم ندرك أن الله عز وجل له الحمد فإننا لم نقطع شيء ، إذا كنا نتصور أننا نتوسل بأعمالنا، بتوسلنا بصيامنا ننال شيئاً ، وأننا ننال بشفاعة أحد ، بدون أن يكون ذلك من إفاضة ومن حمد الله عز وجل ، أن ننال بذلك شيء فإننا مخطئين .
يقول الإمام الباقر عليه السلام لمّا سأله زرارة بن أعين أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل ؟ قال عليه السلام : ( أن يمجد )
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( من شغله الثناء عن المسألة لنفسه أعطيه أفضل مما أعطي السائلين )
ويقول الإمام السجاد عليه السلام - عند قراءتنا لهذا الدعاء نحتاج لتبصر ولمعرفة دقائق هذا الدعاء – (يا غَفّارُ بِنُورِكَ اهْتَدَيْنا، وَبِفَضْلِكَ اسْتَغْنَيْنا، وَبِنِعْمَتِكَ اَصْبَحْنا وَاَمْسَيْنا،.) هذا ثناء على الله عز وجل ولكن بداية الدعاء ( يا غفار ) وربما يخطر بالبال أن المناسب أن معنى الثناء أن يشير إلى كرم الله عز وجل ، ولكن الإمام عليه السلام يمدح الله بغفاريته (يارب يا غَفّارُ بِنُورِكَ اهْتَدَيْنا، وَبِفَضْلِكَ اسْتَغْنَيْنا، وَبِنِعْمَتِكَ اَصْبَحْنا وَاَمْسَيْنا، ذُنُوبَنا بَيْنَ يَدَيْكَ نَسْتَغْفِرُكَ الّلهُمَّ مِنْها وَنَتُوبُ اِلَيْكَ. ) نحن يا رب إليك تائبون من ذنوبنا ، يا رب بنورك وهبتنا الهداية وبفضلك أغنيتنا وبنعمتك نصبح ونمسي ... الإنسان جُبل على الغفلة ، الإنسان يصبح وقلبه مشغول بهذا الأمر وذاك وتلك المسألة ، ويمسي وهو يتابع تلك الشؤون التي لم تتم وكل وقت ينفتح له أمر جديد ، وينسى أنه أصبح بنعمة من الله عز وجل وأن ما لديه هي نعم من الله ، غفل عنها ويمسي وهو بخير ونعمة . الإمام يذكرنا أننا نصبح بنعمة من الله ونمسي بنعمة ، ويقول يا رب مع كل ذلك نحن مذنبون فهذه ذنوبنا بين يديك نستغفرك اللهم ونتوب إليك !! بمناسبة ذكر أن هذه الذنوب بين يد الله تعالى ناسب أن يقول يا رب أنت جدير بأن لا تواجه بالذنوب فأغفرها لنا ، الحياء منك يدعونا أن نطلب منك أن تمسح وترفع عنا هذه الذنوب ؛ ثم يكمل عليه السلام هذا التقابل بين نعم الله وخيراته (خَيْرُكَ إِلَيْنا نازِلٌ وَشَرُّنا إِلَيْكَ صاعِدٌ وَلَمْ يَزَلْ وَلايزالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ يَأْتِيكَ عَنّا بِعَمَلٍ قَبِيحٍ ) أي الذنوب والتقصير منا قبيح .
بل إذا نظرنا إلى الأمور بمنظار الدقة حتى صلاتنا قبيحة وحتى صيامنا ودعائنا قبيح فنحن لم نخلص يوم !! حتى تكون عبادتنا جميلة نستقبل بها الله عز وجل ، نحن عبادتنا كلها نقائص (وَلَمْ يَزَلْ وَلايزالُ..) أي هذا الملك الذي يرفع من الصباح مازال يرفع أعمالنا واحد تلو الآخر كلها قبيحة ، صلاتنا وكلامنا ومجالسنا ..كل هذا ثم يقول عليه السلام فلا يمنعك ذلك أن تحيطنا برأفتك ورحمتك ، الإمام عليه السلام قال أنت هديت وأعطيت وأنعمت ونحن أعمالنا قبيحة ، أنت المنعم أنت المحسن أنت .. فالمناسب أن تعفو عنا وتغفر لنا !! قد يخطر في بالنا هذا المعنى ولكن إذا أكملنا الدعاء نجد أنه لا ..الإمام عليه السلام لم يطلب شيء في هذا الدعاء ، ولم يسق هذه العبارات ليطلب شيء وإنما ساق هذه الحالات ليعلمنا حمد الله عز وجل!!
عجيب هذا المقطع لا حظوا كيف يختم الإمام عليه السلام هذا المقطع (لا يَمْنَعُكَ ذلِكَ مِنْ أَنْ تَحُوطَنا بِنِعَمِكَ وَتَتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِآلائِكَ، فَسُبْحانَكَ ماأَحْلَمَكَ ) بعض الأشخاص يقول الإنسان الذي يعاملني معاملة حسنة أكرمه , وأرد عليه بالمثل أم الإنسان الذي أساء وقدم لي السوء فأنا لا أتحمله ولا أحتمل أن يؤذيني أحد وهذا النوع من الناس لا أحبه ...
نحن نحب أبناءنا ولكن إذا أساءوا قلبيا نتأثر ، الإمام السجاد عليه السلام يقول يا رب أنت الذي أعطيتنا وأنت الذي وهبت ونحن يا رب أعمالنا القبيحة يرفعها إليك هذا الملك الكريم (فَلا يَمْنَعُكَ ذلِكَ مِنْ أَنْ تَحُوطَنا بِنِعَمِكَ وَتَتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِآلائِكَ، فَسُبْحانَكَ ماأَحْلَمَكَ وَأَعْظَمَكَ وَأَكْرَمَكَ ) هو عليه السلام لا ينظر إلى ذنوبه ولا يقول يا رب أغفر لي ذنوبي ، كرمك جميل حتى أننا في أشد حالات البُعد والإهمال والتقليل أنت يا رب جمالك ينير (سُبْحانَكَ ماأَحْلَمَكَ وَأَعْظَمَكَ وَأَكْرَمَكَ مُبْدِئاً وَمُعِيداً، تَقَدَّسَتْ أَسْماؤُكَ وَجَلَّ ثَناؤُكَ وَكَرُمَ صَنائِعُكَ وَفِعالُكَ. ) الإمام عليه السلام نظره في أنك أنت يا رب مستحق للحمد والثناء ؛ وكأنما يجعل فعل العباد وأفعالنا وتقصيرنا مؤشر إلى سعة رحمة الله عز وجل وسعة كرمه ، لم يذكر ذنوبه ليستغفر عنها وإنما يذكر ذنوبه من أجل أن يشير إلى رحمة الله عز وجل وجميل صنعه .
الإمام في كلامه ينبهنا ّ!! أنا يا رب أرتكب الذنوب كي أرى لطفك وحلمك في غفرانك وعفوك حتى في هذه الحالة ، ففي كرم عفو الله وجمال رحمته لا يتجلى فقط في الابتداء ولكن يتجلى في أن الله يحلم علينا ويعفو عنا وتظهر جوانب جمالية لرحمة الله وكرمه أحيانا في نقائصنا التي نقع فيها ، في أدركنا هذا وأدركنا أن الحمد لله تعالى إن شاء الله نكون قد هيئنا أنفسنا لنكون محلاً لعفوه تعالى .
والحمد لله رب العالمين
التعديل الأخير تم بواسطة بثينه عبد الحميد ; 06-08-2016 الساعة 02:51 AM
|