تتمة المقال
والجواب عن ذلك بشرح موجز يمكن أن نقول فيه أن كل معرفة ثانوية – مثل التعميمات الاستقرائية- يحصل عليها العقل على أساس التوالد الذاتي لا بد من أن تمر بمرحلتين : الأولى مرحلة التوالد الموضوعي ، وتبدأ فيها المعرفة الاحتمالية تنمو بشكل مطرد حتى تحظى على درجة كبير جداً من الاحتمال لكنها لا تبلغ حد اليقين مهما تصاعدت ، وهنا تبدأ المرحلة الثانية وهي مرحلة التوالد الذاتي التي يناط بها تحقيق دور الارتفاع بالمعرفة إلى مستوى اليقين ، أما المرحلة الأولى فيستفيد فيها الشهيد الصدر من حساب الاحتمالات ويعتمد على بديهياته ومصادراته وحركة التوليد تسير في هذا المرحلة وفق الطريقة الاستنباطية التي يتم فيها الانتقال الموضوعي من المقدمات إلى النتائج عبر مدد التلازم الموضوعي الذي تؤمنّه المصادرات ، وما يحصل في حالة التعميم الاستقرائي في هذه المرحلة ليس هو إثبات أن أ سبب لـ ب مثلاً ، بل إثبات درجة من التصديق بهذه الحقيقة تتمثل في القيمة الاحتمالية الكبيرة التي أنتجها تراكم عدد كبير من الاحتمالات على محور واحد هو سببية أ لـ ب ، وقد خصص جزءاً من الكتاب لتفصيل هذا المطلب وتوضيحه على أساس رياضي ، ونحتاج حتى نصعّد هذا الاحتمال الكبير إلى درجة اليقين إلى المرحلة التالية ، وهي تفيد نوعاً خاصاً من اليقين ، إذ لا بد من التفريق بين اليقين المنطقي الرياضي الذي نعلم فيه بثبوت القضية ونعلم أيضاً بأن من المستحيل أن لا تكون القضية بالشكل الذي علمناه ، وبين اليقين الذاتي هو حصول درجة تامة من التصديق النفساني دون أن تكون له بالضرورة أي مبررات موضوعية تذكر ، وبين اليقين الموضوعي وهو يقين يحصل بصورة مستقلة عن الحالة النفسية والمحتوى السيكيلوجي الذي يعشيه شخص الانسان ، إذ يتربط بوجود مبررات موضوعية تفي لايصال درجة التصديق إلى حد الجزم ، في مثالنا السابق فإن اليقين الموضوعي يعني أن يصبح تصديقنا بأن أ سبب لـ ب يبلغ درجة الجزم ، بحيث تصبح عند العقل حقيقة مطلقة ، لكنه لا يحقق شرط اليقين البرهاني من العلم باستحالة انفكاك هذه السببية ، وينبغي أن نفرق بين نحوين من العلم : العلم بأن سببية أ لـ ب "لا تنفك عنه" وهذا ما يعطيه اليقين الموضوعي ، وبين العلم بأن سببية أ لـ ب "لا يمكن عقلاٌ أن تنفك عنه" وهذا ما يعطيه اليقين المنطقي ، ودور المرحلة الذاتية هي أن توصل معرفتنا إلى هذا الحد من اليقين -الموضوعي- ، وخصص لهذا البحث أيضاً جزءاً من الكتاب .
وهذه النظرية كما أشار الشهيد الصدر نفسه ، تختلف عن المذهب العقلي في بعض أسس نظرية المعرفة ، وترى أن حل مشكلة الاستقراء يتوقف على مراجعة فهمنا لمسألة العلم والحقيقة ، وهذا ما كان يرمي أصحاب المعالجة اللغوية لحل مشكلة الاستقراء لإصابته ، لكنهم أخطؤا في طريقة الوصول إليه فزعموا أن مجرد تواضع الناس على استعمال مفردة معقول مثلاً لهذا النوع من الاعتقاد الناشئ من الاستقراء كافٍ لإثبات إمكان الاعتماد عليه ، وقد أشار دايفد بابينو إلى سلامة هذا المسعى لدى هؤلاء وخطأ الطريقة التي استعملوها ، ليقترح رأياً يقترب فيه من الشهيد الصدر يقرر فيه أنه لا بد من التنزل عن اشتراط الاعتقاد الذي يلزم من مقدماته لزوماً ضرورياً في هذا العالم وفي غيره حتى العالم المفترض ، إلى الاعتقاد بصدق الاعتقاد وتأدية المقدمات إليه في هذا العالم على الأقل ، ولو أصررنا على الشرط الأول فلن يمكن أن نصل إلى حل لمشكلة الاستقراء مطلقاً . لكن تقريب الشهيد الصدر لفكرة اليقين الموضوعي والطريقة التي يمكن إحرازه بها على أساس التوالد الذاتي أكثر متانة وتماسكاً ودقة .
___________________________
1)الشهيد الصدر ، فلسفتنا ص85-90
2) راسلت ، حكمة الغرب ج2 ص84 ومسائل فلسفه ص98.
3)راسل ، حكمة الغرب ، ج2 ص82.
4)المقصود بمشكلة الاستقرار ، اعطاء تبرير للزوم منطقي بين مقدمات الاستقراء و نتيجته ، أو بتعبير آخر تعميم منطقي للحكم الثابت للحالات المستقراة للحالات الآتية والمستقبلية التي لم يتم استقراؤها.
5)الشهيد الصدر ، الأسس المنطقية للاستقراء ص123.
6)المصدر السابق ، ص124-125.
7)المصدر السابق ، ص125.
8)المصدر السابق ، ص125.
9)المصدر السابق ، ص125-126.
10) المصدر السابق ، ص127.
11) المصدر السابق ، ص129.
12) المصدر السابق ، ص129.
13) المصدر السابق ، ص130.
14) المصدر السابق ، ص321.
15)المصدر السابق ، ص322-326.
16)راجع : الشهيد الصدر ، الحلقة الثالثة ج1 ص209.
17)ديويد بابييو ، مساله استقرا ، سورش انديشه شماره 1 ، ص244-245
.