![]() |
شرح دعاء الافتتاح
✨��✨✨��✨�� ��بسم الله الرحمن الرحيم �� ✨شرح دعاء الافتتاح ✨ في شهر رمضان 1422ه في الدمام يشرح فيها بعض معاني دعاء الافتتاح سلسلة دروس القاها سماحة الشيخ الفاضل ☄عبد المحسن النمر ☄ الدرس الأول : مقدمات لبيان معنى الحمد (اَللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ) مقدمة مهمة قبل الدخول في شرح دعاء الإفتتاح : المقدمة الأولى : الأدعية بعضها اعتدنا أن نقرأه في أوقات معينة ولكن من غير دليل على انه لهذا الموسم فقط ومحصور لموسم معين ، الأدعية التي نتعلم قراءتها في شهر رمضان الكثير منها قراءته ليست مختصة فقط في شهر رمضان ولكن نحن للأسف وقعنا في هذا التصور بحيث أن بعض الأدعية تهجر طوال السنة ولا تقرأ إلا في شهر رمضان !! دعاء الافتتاح باعتبار أنه مستحب في شهر رمضان ، دعاء الجوشن ، دعاء السحر . هذه الأدعية نتعلمها في شهر رمضان ، ننفتح عليها في شهر رمضان نستشعر قدسيتها ومعانيها في شهر رمضان لكن يفترض أن تقرأ حتى في سائر أيام السنة . لا نقول إلى حد الإدمان ؛ بل إلى حد الارتياح في سائر السنة فالإنسان إذا تعرف على محبب جميل فليس هناك مانع من دوام العلاقة معه ! بل بالعكس هذه الأدعية موضوعة لنغرس معانيها في قلوبنا في شهر رمضان ثم نتشوق إليها في سائر أيام السنة نرتاح لذكرها في سائر أيام السنة ...ونقرأها من حين لآخر ، بل من الطبيعي أنه لو أدركنا معاني هذه الأدعية واستلطفناها واستقبلتها مشاعرنا بالمحبة والشوق لكنا نشتاق لقراءتها في سائر أيام السنة . على سبيل المثال دعاء الجوشن هذا الدعاء العظيم ليقرأ جزء منه في ليالي الجُمع ولا ينتظر إلى ليالي القدر من شهر رمضان مع عظمة هذه الأدعية وجلالة ما فيها من معاني ، لماذا لا يقرأ إلا دعاء كميل ودعاء السمات وربما الكثير من الأدعية وما ورد من كنوز عن أهل البيت عليهم السلام لم نقرأه في حياتنا ... المناجاة الشعبانية كل فقرة منها كنز لو أخذنا فقرة من فقراتها وبحثنا عن شيء ما يعادل هذه الفقرة في أدعية المسلمين وغير المسلمين وأرباب الدعاء ربما لا نجد شيء يعادل ويساوي فقرة من فقرات المناجاة وليس كلها . دعاء الافتتاح يشتمل على مجموعة من المحامد والتمجيدات الله عز وجل تستحق كل واحدة من هذه المحامد أن نقضي فيه السنين الطويلة لاستيعاب هذا المعنى ... ولو أردنا أن نقول نقطة أنه لو لم يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام والأئمة عليهم السلام كلهم ولو لم يتوصلوا إليها ولم يذكروها ولم يحملها إلينا رواتهم ؛ فإنه قطعا لن نصل إلى هذه المعاني ولن ننطق بها . هذه ليست معاني متداولة كما يخطر أحياناً في بالنا وأنها كلها كلمات مدح لله تعالى مشكله ومنوعة ، هذه المعاني لن يصل إلى إدراكها إنسان من أول البشرية إلى آخر البشرية ، لن يصل إنسان إلى أن يقول مثل هذا الكلام في مدح الله تعالى وفي مناجاته ومدحه تعالى . هذه اللطائف والذخائر من المفترض أن نستفيد منها ولا أقل في شهر رجب وشهر شعبان التي هي مجاورة لشهر رمضان ، وعندنا روايات كثيرة تشير إلى أن رائحة الجنة لتشم من كذا سنة وأن الله عز وجل يحرم على عاق والديه أن يشم رائحة الجنة ، ما معنى هذا ؟ معناه أن هذه الكرامات وهذه المعاني الربانية تحجب عنه وتحجب عن مشاعره وعن أحاسيسه فإذا أحس الإنسان أن هذه المعاني لا يشم لها رائحة ولا يستشعر أنه قد أقبل دعاء السحر ودعاء أبي حمزة الثمالي ومعاني تلك الأدعية ، فعليه أن يلتفت عسى إلاّ يكون قد عقّ والديه وربما ليس الوالدان اللذان أنجباه ولكن الوالدين الحقيقيين هما محمد وعلي عليهما أفضل الصلاة والسلام ( يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة ) إذا لم يحس بهذه الأمور لم يشم رائحة ليلة القدر وأعمالها من هذه الأيام فعليه أن يشك في أنه أصلا صادق !! وعسى ألا يكون هناك أشياء سببت له هذا الانغلاق في حاسة الشم الروحية ، لماذا لم يحس بهذه الأمور ؟ لأنه ربما يكون هناك ذنوب ومعاصي ، الإنسان الطبيعي الذي يتذوق هذه الأمور هو يشم رائحتها . هذا مما يؤدي أن تكون هذه الأدعية في تركيبة الإنسان وليست مؤقتة في شهر رمضان . المقدمة الثانية : نحن في الدروس السابقة بينا أن شهر رمضان هو شهر الفتح وأن شهر رمضان هو شهر ينتصر فيه الإنسان على عدوه الحقيقي ويتخطى فيه الإنسان حدود أعدائه وينتصر عليها مثل الفتح العسكري وهزم الأعداء والانتصار عليهم والاستيلاء على أرضهم والنشوة بالنصر ، فكذلك الفتح المعنوي الروحي لا يقل شأناً عن الفتح العسكري بل هو أضعاف مضاعفة من آثار الفتح المادي . شهر رمضان شهر الفتح وهناك روايات تقول أن بداية السنة ليست محرم فمحرم هو أول السنة التي يعدها الناس والدول والحكومات أما من الجهة الحقيقية والروحية والمعنوية فأول السنة هو شهر رمضان وإذا كان شهر رمضان هو شهر الفتح فهذا الدعاء هو دعاء الافتتاح ، أي دعاء الافتتاح هو افتتاح الفتح ، أي للفتح افتتاح ولا يتحقق الفتح إلا بافتتاحه وسوف يتبين لنا أنه ربما هذا المعنى صحيح بمعنى أن أصل الفتوحات التي تتحقق في شهر رمضان شروعها وبدايتها من حمد الله والثناء عليه الحمد : الذي هو مادة هذا الدعاء وجذره وأصله ، الحمد هو الافتتاح ، افتتاح الحركة الروحية والربانية والمعنوية وافتتاح السير والسلوك والافتتاح بحمد الله عز وجل والحمد أيضا هو الختام . الحمد هو الخطوة الأولى في المسيرة إلى الله عز وجل والحمد هو الخطوة النهائية التي ينتهي إليها الإنسان . الكرامات التي يحصل عليها الإنسان هي مراتب ودرجات والجنة منازل وللإنسان في الجنة طلبات وآمال .. كل درجة من درجات الجنة أي الدرجة الثانية مسيرة كذا سنة آخرها وأعلها الحمد (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) 10.سورة يونس ) أكمل كمالات البلوغ والرقي في الجنة هي حمد الله ، هذا الأمر يتحاج إلى توضيح لأنه لا يخطر في بالنا بصورة مباشرة لأن الإنسان في الجنة يتمنى أشياء كثيرة ، العزة والكرامة والقدرة والسعادة بأشكالها ... الإنسان يرى فيها آمالاً ويترجى البلوغ إليها ولكن كيف يمكن أن يكون الحمد هو أعلى هذه الدرجات ؟! هذا يحتاج إلى توضيح ، الحمد كما أنه بداية المسيرة وهو افتتاح الطريق إلى الله تعالى ، الحمد هو خاتمة ما ينقاد إليه الإنسان و يسعى إليه . المقدمة الثالثة : يتبع |
تابع شرح دعاء الإفتتاح..الدرس الأول..
المقدمة الثالثة :
نبدأ بالشروع في الافتتاح من المناجاة الشعبانية بمعنى أننا سوف نأخذ من المناجاة الشعبانية ما يكون رصيداً معنوياً للحركة المعنوية في شهر رمضان ، يقول أمير المؤمنين عليه السلام فيها (اِلـهي فَلَكَ الْحَمْدُ اَبَداً اَبَداً دائِماً سَرْمَداً، يَزيدُ وَلا يَبيدُ كَما تُحِبُّ وَتَرْضى، اِلـهي اِنْ اَخَذْتَني بِجُرْمي اَخَذْتُكَ بِعَفْوِكَ،) هناك رابط بين هاتين الفقرتين ، نحن نحاول أن نشير أو نحاول فهم الرابطة بين هاتين الفقرتين (اِلـهي اِنْ اَخَذْتَني بِجُرْمي اَخَذْتُكَ بِعَفْوِكَ) ما المقصود بأخذتك بعفوك ؟ إلهي إن أخذتني بجرمي أي إن اقتضى عدلك يا رب بالنظر إلى ما جره عليّ جرمي ، إذا اقتضى هذا العبد أن أُأخذ على جرمي وأُحاسب عليه وأحصل على الجزاء والنتيجة التي تترتب على جرمي ، الجرم هو الذي يجر ورائه ما لا يحبه ولا يريده الإنسان ، جرم الإنسان وذنوبه هي مقيدات ، هي من جهة لها الآثار السيئة وهي من جهة أخرى تحدد رتبة الإنسان ومقامه ، تحدده أي تمنعه الطريق إلى الأعلى والأسمى!! الإنسان إذا أذنب ذنب بالإضافة إلى أن نتيجة هذا الذنب هي العقاب والعذاب فإن معنى هذا الذنب هو أن هذا الذنب يرهن الإنسان في حالة معينة من حالات الشقاء مثلا أو القصور أو النقص هذا هو أثر الذنب ، أثر الذنب هو كالقيد الذي يقيد الإنسان ، الإنسان إذا أذنب فإن ذنبه يكون غلاً وقيدا يُقفه عند مرحلة معينه هذه المرحلة تقتضي أن يشعر بإحساس الألم نتيجة ذنبه بما يتولد عن ذنبه من آثار . بعض الذنوب يتولد عنها آثار هي تشبه العقارب وبعضها ينشأ منها عذاب كعذاب الثعبان وبعضها ينشأ منها عذاب كعذاب النار التي تلتهم بدن الإنسان وبعض الذنوب ينشأ عنها آثار كآثار النار التي تلتهم قلب الإنسان وليس بدنه وبعض الآثار كآثار النار التي تلتهم باطن الإنسان . في دعاء كميل هناك مقاطع غريبة تشير إلى أنه كل شيء في الإنسان له نار ، هذه نار عجيبة ، نار لا تدع شيء من وجود الإنسان لا الظاهر ولا الباطن ولا المعنوي ولا الروحي ولا الإحساس إلاّ تشعله ألما ، أي ألم ؟ ألم.. نحن الألم الذي نشعر به عندما يحترق جلد الإنسان هو أن الجلد يتوسط في نقل الحرارة إلى الأعصاب والأعصاب تنقله إلى الدماغ والدماغ يحوله إلى هذا الألم ، أما النار التي يخوفنا منها علي عليه السلام هي تصيب الضمائر مباشرة وتصيب القلوب مباشرة بدون حاجة لتوسط الجلود ، هناك نار تصيب الجلود ولكن هناك نار تصيب حقيقة الإنسان مباشرة ، وهذه النار التي تلتهم دماغ الإنسان مباشرة كيف يكون أثرها ؟ الأمير عليه السلام في دعاء كميل يبين أن النار ليست شكلا واحدا ، هذه النيران التي في الآخرة هي ما تولده الذنوب !!!. (اِلـهي اِنْ اَخَذْتَني بِجُرْمي) الله سبحانه يوم القيامة لا يؤاخذ الناس كما نتصور ، يؤاخذك بمقتضى عدله ومقتضى حكمته بسب فعلك ، فعلك هو ولّد نارا تلتهم الأفئدة ( إلهي إذا كانت هذه الذنوب وهذه التقصيرات قد أوجبت أن أنال هذا التقيد وهذا الذي يُوقفني تحت طائل هذه النيران أخذتك بعفوك ) كيف نأخذ الله سبحانه بعفوه ؟ إذا جاء يوم القيامة وجاءت النيران وأصابت الإنسان في تلك الحال نقول يا عفو يا غفور ..!! بهذه الحالة يأخذ الله بعفوه ؟ لا ، المعنى أبعد من هذا. إلهي إن كانت ذنوبي قد أوقفتني موقف الخزي والرهينة وموقف المُعذب فأنا يا ربي ملتجأ إلى عفوك وآخذ بعفوك أي أني طارح نفسي وجاعل نفسي تحت رحمة عفوك ، وأكون موضوعاً لتسلط عفوك عليّ ، وهذا لا يتحقق إلاّ بإدراك أن الحمد لله تعالى بمعنى أنه لولا أن أمير المؤمنين عليه السلام يعلمنا (اِلـهي فَلَكَ الْحَمْدُ اَبَداً اَبَداً) ربما لا يكون هناك معنا واضح لقوله (اَخَذْتُكَ بِعَفْوِكَ) أخذتك بعفوك الآن ترتبط بمعنى إلهي لك الحمد ... أنت يا رب في كل الحالات وكل المراحل وكل الآنات ، أنت يا رب محمود أنت يا رب لا يصدر منك إلاّ الجميل ،أي يا رب أنا أدرك وأؤمن أنك مفيض للخيرات في كل الحالات ، أنا أعرف يا رب أن ذنوبي هذه هي نتائجها (اِنْ اَخَذْتَني بِجُرْمي) أي هذه أعمالي أجزم أنه هذه هي نتائجها وذنوبي هذه آثارها لكنني أعلم يا رب بأنك محمود في كل الحالات ، يا رب أنت لا تفيض إلاّ حمداً ، يا رب أنت لا يصدر منك إلا ما تستحق عليه الحمد ، لا يصدر منك إلاّ الجميل ومقتضى حمدك أن أكون محلاً لعفوك . إذا لم ندرك أن الله تعالى مفيض للجمال في كل حال ولم تتعلق قلوبنا بالجمال الإلهي ولم تتعلق قلوبنا بأن الله محمود في كل حال لا نكون قد أخذنا الله بعفوه حتى لو قلنا بألسنتنا ( يا عفو يا غفور ) اللسان إذا لم يكن معبرا عن هذا الانطلاق من داخل القلب ، إذا لم يكن اللسان قد انطلق بتحريك القلب وبمشاعر الإنسان لا يكون للألفاظ نفس الآثار المترتبة ، قد يشملنا شيء من الرحمة بقلقلة اللسان ولكن هذا شيء آخر ، بعض الروايات أن رجلاً يؤخذ إلى النار فيأخذه الملائكة إلى النار فيعلو صوته ويرتفع : يا رب ، يا رب أنا كنت في الدنيا حسن الظن بك فكيف تأخذني إلى النار ؟ فيقول الله تعالى أنا أعلم أنه كذّاب لم يكون حسن الظن بي ولكن رحمة مني بهذه القلقلة اللسانية أنا آخذه إلى الجنة . أحياناً !! ربما تنفعنا القلقة اللسانية . الذي يكون عليه المعول هو أن ينطلق هذا اللسان بحقائق نابعة من القلب فعندما تقول ( يا رب اِنْ اَخَذْتَني بِجُرْمي اَخَذْتُكَ بِعَفْوِكَ) يجب أن يكون هذا الأخذ بالعفو منطلق من إدراكنا بأن الله عز وجل هو مفيض للرحمات والبركات والخيرات وأنواع الجمال والكمال في كل حال ولهذا ناسب أن يقول عليه السلام (فَلَكَ الْحَمْدُ اَبَداً اَبَداً دائِماً سَرْمَداً) أي يا رب أنت محبوب حينما خلقت رسول الله صلى الله عليه وآله وجعلته كاملاً !! أنت محبوب حينما خلقتني أنا الضعيف على جرمي وعلى حالي ، وما أنا فيه من الذنوب وعلى تلك الحال من السوء التي أنا فيها !! أنت يا رب محمود ومقتضى حمدك أن تعفو عني . السرّ في كل بركة وفي كل حركة إلى الأمام وإلى الخير وإلى السعادة ننالها هو أن ندرك أن الله تعالى له الحمد . إذا لم ندرك أن الله عز وجل له الحمد فإننا لم نقطع شيء ، إذا كنا نتصور أننا نتوسل بأعمالنا، بتوسلنا بصيامنا ننال شيئاً ، وأننا ننال بشفاعة أحد ، بدون أن يكون ذلك من إفاضة ومن حمد الله عز وجل ، أن ننال بذلك شيء فإننا مخطئين . يقول الإمام الباقر عليه السلام لمّا سأله زرارة بن أعين أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل ؟ قال عليه السلام : ( أن يمجد ) وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( من شغله الثناء عن المسألة لنفسه أعطيه أفضل مما أعطي السائلين ) ويقول الإمام السجاد عليه السلام - عند قراءتنا لهذا الدعاء نحتاج لتبصر ولمعرفة دقائق هذا الدعاء – (يا غَفّارُ بِنُورِكَ اهْتَدَيْنا، وَبِفَضْلِكَ اسْتَغْنَيْنا، وَبِنِعْمَتِكَ اَصْبَحْنا وَاَمْسَيْنا،.) هذا ثناء على الله عز وجل ولكن بداية الدعاء ( يا غفار ) وربما يخطر بالبال أن المناسب أن معنى الثناء أن يشير إلى كرم الله عز وجل ، ولكن الإمام عليه السلام يمدح الله بغفاريته (يارب يا غَفّارُ بِنُورِكَ اهْتَدَيْنا، وَبِفَضْلِكَ اسْتَغْنَيْنا، وَبِنِعْمَتِكَ اَصْبَحْنا وَاَمْسَيْنا، ذُنُوبَنا بَيْنَ يَدَيْكَ نَسْتَغْفِرُكَ الّلهُمَّ مِنْها وَنَتُوبُ اِلَيْكَ. ) نحن يا رب إليك تائبون من ذنوبنا ، يا رب بنورك وهبتنا الهداية وبفضلك أغنيتنا وبنعمتك نصبح ونمسي ... الإنسان جُبل على الغفلة ، الإنسان يصبح وقلبه مشغول بهذا الأمر وذاك وتلك المسألة ، ويمسي وهو يتابع تلك الشؤون التي لم تتم وكل وقت ينفتح له أمر جديد ، وينسى أنه أصبح بنعمة من الله عز وجل وأن ما لديه هي نعم من الله ، غفل عنها ويمسي وهو بخير ونعمة . الإمام يذكرنا أننا نصبح بنعمة من الله ونمسي بنعمة ، ويقول يا رب مع كل ذلك نحن مذنبون فهذه ذنوبنا بين يديك نستغفرك اللهم ونتوب إليك !! بمناسبة ذكر أن هذه الذنوب بين يد الله تعالى ناسب أن يقول يا رب أنت جدير بأن لا تواجه بالذنوب فأغفرها لنا ، الحياء منك يدعونا أن نطلب منك أن تمسح وترفع عنا هذه الذنوب ؛ ثم يكمل عليه السلام هذا التقابل بين نعم الله وخيراته (خَيْرُكَ إِلَيْنا نازِلٌ وَشَرُّنا إِلَيْكَ صاعِدٌ وَلَمْ يَزَلْ وَلايزالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ يَأْتِيكَ عَنّا بِعَمَلٍ قَبِيحٍ ) أي الذنوب والتقصير منا قبيح . بل إذا نظرنا إلى الأمور بمنظار الدقة حتى صلاتنا قبيحة وحتى صيامنا ودعائنا قبيح فنحن لم نخلص يوم !! حتى تكون عبادتنا جميلة نستقبل بها الله عز وجل ، نحن عبادتنا كلها نقائص (وَلَمْ يَزَلْ وَلايزالُ..) أي هذا الملك الذي يرفع من الصباح مازال يرفع أعمالنا واحد تلو الآخر كلها قبيحة ، صلاتنا وكلامنا ومجالسنا ..كل هذا ثم يقول عليه السلام فلا يمنعك ذلك أن تحيطنا برأفتك ورحمتك ، الإمام عليه السلام قال أنت هديت وأعطيت وأنعمت ونحن أعمالنا قبيحة ، أنت المنعم أنت المحسن أنت .. فالمناسب أن تعفو عنا وتغفر لنا !! قد يخطر في بالنا هذا المعنى ولكن إذا أكملنا الدعاء نجد أنه لا ..الإمام عليه السلام لم يطلب شيء في هذا الدعاء ، ولم يسق هذه العبارات ليطلب شيء وإنما ساق هذه الحالات ليعلمنا حمد الله عز وجل!! عجيب هذا المقطع لا حظوا كيف يختم الإمام عليه السلام هذا المقطع (لا يَمْنَعُكَ ذلِكَ مِنْ أَنْ تَحُوطَنا بِنِعَمِكَ وَتَتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِآلائِكَ، فَسُبْحانَكَ ماأَحْلَمَكَ ) بعض الأشخاص يقول الإنسان الذي يعاملني معاملة حسنة أكرمه , وأرد عليه بالمثل أم الإنسان الذي أساء وقدم لي السوء فأنا لا أتحمله ولا أحتمل أن يؤذيني أحد وهذا النوع من الناس لا أحبه ... نحن نحب أبناءنا ولكن إذا أساءوا قلبيا نتأثر ، الإمام السجاد عليه السلام يقول يا رب أنت الذي أعطيتنا وأنت الذي وهبت ونحن يا رب أعمالنا القبيحة يرفعها إليك هذا الملك الكريم (فَلا يَمْنَعُكَ ذلِكَ مِنْ أَنْ تَحُوطَنا بِنِعَمِكَ وَتَتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِآلائِكَ، فَسُبْحانَكَ ماأَحْلَمَكَ وَأَعْظَمَكَ وَأَكْرَمَكَ ) هو عليه السلام لا ينظر إلى ذنوبه ولا يقول يا رب أغفر لي ذنوبي ، كرمك جميل حتى أننا في أشد حالات البُعد والإهمال والتقليل أنت يا رب جمالك ينير (سُبْحانَكَ ماأَحْلَمَكَ وَأَعْظَمَكَ وَأَكْرَمَكَ مُبْدِئاً وَمُعِيداً، تَقَدَّسَتْ أَسْماؤُكَ وَجَلَّ ثَناؤُكَ وَكَرُمَ صَنائِعُكَ وَفِعالُكَ. ) الإمام عليه السلام نظره في أنك أنت يا رب مستحق للحمد والثناء ؛ وكأنما يجعل فعل العباد وأفعالنا وتقصيرنا مؤشر إلى سعة رحمة الله عز وجل وسعة كرمه ، لم يذكر ذنوبه ليستغفر عنها وإنما يذكر ذنوبه من أجل أن يشير إلى رحمة الله عز وجل وجميل صنعه . الإمام في كلامه ينبهنا ّ!! أنا يا رب أرتكب الذنوب كي أرى لطفك وحلمك في غفرانك وعفوك حتى في هذه الحالة ، ففي كرم عفو الله وجمال رحمته لا يتجلى فقط في الابتداء ولكن يتجلى في أن الله يحلم علينا ويعفو عنا وتظهر جوانب جمالية لرحمة الله وكرمه أحيانا في نقائصنا التي نقع فيها ، في أدركنا هذا وأدركنا أن الحمد لله تعالى إن شاء الله نكون قد هيئنا أنفسنا لنكون محلاً لعفوه تعالى . والحمد لله رب العالمين |
شرح دعاء الإفتتاح ..الدرس الثاني ..معنى الحمد
✨��✨✨��✨�� ��بسم الله الرحمن الرحيم �� ✨شرح دعاء الافتتاح ✨ سلسلة دروس القاها سماحة الشيخ الفاضل ☄عبد المحسن النمر ☄ في شهر رمضان 1422ه في الدمام يشرح فيها بعض معاني دعاء الافتتاح الدرس الثاني : معنى الحمد الحمد لله حمداً لا يقوى على إحصائه إلا الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله الميامين الهداة . تلخيص لما مضى : (اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ ) هذا الدعاء المعروف بدعاء الافتتاح ذكرنا أنه افتتاح شهر الفتح ، وأن الحمد لله عز وجل خير عمل يحبه الله جل وعلا ، إن الحمد هو الفتح وهو الختام ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) . بعض هذه النقاط سوف نحتاج إليها أثناء التعرض لمقاطع الدعاء . دعاء الافتتاح هو أربع فقرات : الجزء الأول : هو حمد الله وإن تخلله بعض الطلب والمسألة. الجزء الثاني : هو الصلاة على النبي وآله الأطهار . الجزء الثالث : هو الصلاة والدعاء لخصوص الإمام الحجة ( عج ) . الجزء الرابع : هو الدعاء للأمة وللنفس. معنى الحمد : في الجزء الأول : هناك علاقة بين الحمد والسؤال !! ولكن قبل ذلك نلاحظ أن ( حمد لله ) يحتاج منا لإدراك معنى الحمد ولو بصورة مجملة وكيف إن الله تعالى هو أهل الحمد وبأي شيء يُحمد الله ؟ بصورة مختصرة الحمد : هو أن تثني على الشيء ، وكل محمود تحمده فأنت تذكر محاسنه وتثني عليها وعلى ما لديه من أمور جميلة بشرط أن تكون اختيارية . فلا يكون الحمد في الأمور التي لا يملك فيها الإنسان الاختيار ، مثلاً حينما تصف وردة بالجمال لا يكون هذا حمدا !! وان كان ثناء عليها بالجميل ؛ فالمحمود شرطه أن يكون ما تثني عليه اختياري وأيضاً لا بد أن يكون جميلاً فنحن لا نمدح أحداً بأعمال قبيحة أو غير جميلة أو أعمال عادية لا شأن لها . الحمد لا بد أن يكون فيه ثناء على أمر جميل اختياري من قبل المحمود ، وحينما نريد أن نحمد الله لا بد أن ندرك ما هو الجميل الذي ننسبه لله عز وجل ، وهل هذا الجميل اختياري من الله أم لا !! النقطة الأولى : حقيقة حمد الله القرآن الكريم ذكر في آيات متعددة ما يعطينا قاعدة عامة : إن كل ما في هذا الوجود هو مركز لحمد الله عز وجل ، كيف ؟ الأمر الأول : القرآن قال إن كل ما في الوجود هو فعل الله ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) ( الأنعام :102) فحيثما اِلْتفت وحيثما نظرت وأينما وجهت وجهك فإنما أنت تجد فعل الله عز وجل ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْء ) (الأنعام :102) وليس المقصود فقط الأشياء المحسوسة , وإنما يشمل المحسوسات والغيبيات والمعنويات والأفعال كلها خلق الله عز وجل - هذه النقاط تحتاج لمقدماتها وبراهين ولكننا نأخذها كمسلمات قرآنية - هذا ما نص عليه القرآن الكريم أن كل شىء من مخلوقات علوية أو سفلية هي خلق لله تعالى . الأمر الثاني : إن كل ما في الوجود هو جميل ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) (السجدة :7)، وهذا أصعب من الأمر الأول لأننا نرى غالباً أن الموجودات منها الجميل ومنها القبيح !! ما يُفرحنا نُعرفه أنه جميل أما إذا كانت الأشياء تسبب لنا صعوبة ومرارة فعندها لا يتضح لنا وجه الجمال فيها ولكن القرآن ينص على أن كل ما وجد وما سيوجد ويحدث في الوجود كله بما هو خلق فهو جميل . وبصورة مختصرة : أن كل ما يجري في هذا الكون حيثما هو إنما هو يسير بالأشياء نحو كمالها ومبتغاها ونحو هدفها ، وليس هناك شيء حسن وشيء غير حسن فكل ما في هذا الوجود حسن وجميل . منذ أن نصبح إلى أن نمسي فكل ما تقع عليه عيوننا وعقولنا له دور في تكاملنا !! نصبح فتطلع الشمس من المشرق وهذا لا شك في حُسنه ، ونواجه الأمور التي تطرأ في بيئتنا ومجتمعنا وحياتنا وكلها فرداً فرداً ؛ هي أمور تأخذ بيد الإنسان نحو بلوغ غاية هي الأكمل والأسمى و الأتم بالنسبة له ؛ سواء حسبناها مسرّات أم مصائب هي بما هي خير وهي خطوات نحو بلوغ الكمال حتى وإن رأينا أنها لا تناسبنا ولا تصلح لنا . إذن الأمر الثاني أن كل شيء في هذا الوجود فهو حسن . الأمر الثالث : إن كل ما يحدث في هذا الوجود هو باختيار من الله عز وجل ، وليس هناك شيء قام به زيد وشيء قام به عمر وشيء قام به الله تعالى . كل ما يحدث في الوجود هو لله تعالى (هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار ) (الزمر:4 ) فسواء نحن أدركنا هذه المسألة أم تخيلنا أن فاعل هذه الأشياء فلان أو فلان .. وأن هذه الأمور وقعت بإرادتنا أم بإرادة فلان أم ذلك الظالم المتجبر، فهي حقيقة بإرادة الله . نحن إذا تبصرنا وجمعنا هذه الحقائق بعضها إلى بعض وهي أن كل ما في هذا الوجود خلق الله ، وأن كل ما في هذا الوجود هو حسن ، وأنه كله باختيار الله عز وجل لتبين لنا أن الله عز وجل محمود على كل ذرة من ذرات هذا الوجود . لله الحمد على كل شيء وعلى كل حال ولهذا نجد القرآن أشار في آيات قرآنية كثيرة إلى أنه أهلك قوماً والحمد لله رب العالمين !! حتى في الأمور التي نرى أنها إهلاك ، أخذهم الله بذنوبهم والحمد لله رب العالمين !! فما يحدث من رزق فالحمد فيه لله تعالى ، وما يحدث علينا من معاملات وتعامل مع الناس فالحمد فيه لله تعالى ، وما يحدث فينا من مرض ومن مصيبة فالحمد لله رب العالمين . هذه مسألة في بابها وبحثها طويل ولكن نحن نريد أن نحمد الله حقيقة ؛ فنحن نحتاج لهذه النقطة وهي أن ندرك أن ما في هذا الوجود كله بلا استثناء هو مظاهر تجري فيها حمد الله عز وجل وحمدها وجميلها لله . النقطة الثانية : كيف نحمد الله عز وجل ؟ النقطة الثانية التي هي كالجزء المكمل للنقطة الاولى : إذا عرفنا أن كل ما في هذا الوجود يستنطق حقيقة حمد الله تعالى ، نحن نحتاج أن نتعلم هذا النطق ، كيف نحمد الله عز وجل ؟! لكل مخلوق لسان ولكل مخلوق قدرة ولكل مخلوق بيان خاص به يحمد الله عز وجل ؛ ولكن شتان بين حمد المخلوق المحدود الإدراك والمعرفة والشعور وبين حمد المخلوق الأكثر قدرة والأكثر معرفة . النملة تسبح بحمد الله عز وجل ولكن تسبيحها يتناسب مع قدرتها وإدراكها ومشاعرها ومعرفتها ، الحيوان ذو الخلية الواحدة وذو الخليتين يسبح الله عز وجل , والحيوان ذو الأجهزة المتعددة !! وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (الإسراء: 44 ) ولكن كل شيء يسبح بمقدار إدراكه ومعرفته وكل شيء حمده بحسب ظرف وجوده وإمكانياته . وهنيئاً لمن كان له مرشد يعلمه كيف يحمد الله عز وجل!! نحن لا نجد في هذا الوجود من درج على مراتب الكمال في حمد الله كما نجد لدى رسول الله وآل البيت ( ع ) ، فأنواع الحمد التي علمها الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعلمها علي ( عليه السلام ) وآل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هي أرقى مراتب الثناء على الله تعالى . ويحق لنا أن نفخر بأننا نعرف دعاء الافتتاح ، هذا الدعاء لوحده فيه ما يقارب عشرون فقرة حمد ، وكل فقرة حمد في هذا الدعاء لا تجد لها قياساً ولا نجد أحدا يعرف كيف يمدح الله ويثني عليه ويحمده كما يفعل الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) والإمام الحجة (عجل الله فرجه ) ففي هذه الادعية يعلموننا كيف نحمد الله. فكمال الإنسان في مراتب وجوده يكون بكمال حمده لله تعالى . وأيضاً لا بد أن نكرر الإشارة إلى هذه النقطة وهي أن السائل حينما يسأل الله عز وجل - وهذا هو ديدننا وقد خلقنا لهذا – فإنه بمقدار ما نسأل الله عز وجل مراتبنا تعلو وترتفع ، فشأننا يوم القيامة يكون بقدر ما نسأل الله عز وجل وبمقدار ما يكون سؤالنا حقيقياً يكون عطاء الله لنا، (وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) (ابرهيم: 34) معنى الآية أن كل شيء تسأله الله بكيانك وحقيقتك فإن الله سبحانه يعطيك إياه . أي كرم وأي رحمة !! كل ما تسأله يعطيك إياه مطلقاً (وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) ، إذا كنت صادقاً في سؤالك لله تعالى فإنه سبحانه أكرم الأكرمين فليس هناك بخل في ساحته (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (البقره: 186) كيف نسأل الله وماذا نسأله ؟ وهذا هو المهم ، لاحظ نحن عندما نأتي بطفل صغير ونقول له اسأل الله عز وجل فهو بقدر ما في ذهنه وعقله وإدراكه عن الله عز وجل يسأل ، الطفل ماذا يسأل ؟؟ هو يرى أن الله خالق الشجر والمطر وخلقه فهو ماذا يسأل ؟؟ يسأل الله بهذا المقدار الذي يدركه عقله أنه تعالى خلق الحيوان والنبات والألعاب ، فلو لم يتكامل هذا الطفل وحشر يوم القيامة سوف تأتيه هذه الخيرات التي هي بقدره ؛ أما الإنسان الذي يرتفع في معارفه ويطلع على الجمال أكثر فهو يسأل الله بقدر ما حصل عليه من معرفته وإدراكه ، فإذا تدرج و ارتفع في معرفته لله تعالى فسوف يكون سؤاله لله أعلى وأرفع .[color="red"]..يتبع[/colo |
تابع شرح دعاء الإتتاح ..الدرس الثاني ..معنى الحمد
العلاقة بين السؤال والحمد :
السؤال قرين المعرفة ، والمعرفة هي الحمد ؛ أي أنت بقدر ما تكون حامداً لله تعالى تسأل الله تعالى . لاحظوا العلاقة بين السؤال والحمد !! السائل حامد بالطبع ، عندما تسأل الله تعالى : يا رب أعطني مالاً !! سؤالك هذا ظاهره طلب وهو يستبطن أنه أنت يا رب مالك الأموال فالسؤال قرين الحمد . لا سؤال إلا من حامد لكن هذا الحامد نظره الأصلي إلى حاجته ونظره الباطني إلى الله تعالى أنه هو المعطي ؛ فالسائل ظاهره وأصل طلبه وسؤاله طلب للمال مثلا !! ولكن حاله مستبطن للحمد . الحامد على خلاف ذلك ؛ فالذي يحمد الله عز وجل ويقول يا رب أنت الكريم وأنت المعطي وأنت الرازق حتى بدون أن يسأل الرزق !! عندما يقول يا رب أنت الكريم ويتعلق قلبه بهذا الكرم الإلهي فإنه أصبح الآن في موضع إفاضة الكرم الإلهي بمقدار ما تعلق من قلبه بكرم الله، أصبح هو موضوعاً لظهور كرم الله عز وجل . ولهذا ورد في الروايات أنه إذا أصابتك مصيبة فأكثر من قول ( يا رؤوف يا رحيم) مجرد قولك (يا رؤوف يا رحيم ) لا أن تقول نجني مثلاً !! وذلك بتعلق قلبك بالرؤوف الرحيم ستكون موضوعاً لظهور الرأفة والرحمة في داخلك ؛ فالحمد والسؤال أمران متقاربان ولهما علاقة يستبطن كلاً منهما الآخر - إذا كانت عبارة يستبطن صحيحة - الحامد إذا حمد الله عز وجل وتبلغت معاني الحمد من قلبه أصبح مظهراً لظهور آثار ذلك الحمد ، ولهذا عندما يقولون عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( من شغله الثناء عن المسألة لنفسه أعطيه أفضل ما أعطي السائلين ) حديث قدسي . لماذا ؟ لأن نفس الحمد والثناء على الله عز وجل موجب لأن يكون الإنسان مظهراً وموضعاً لإفاضة تلك الجهة الحمدية التي حمد الله عز وجل بها . حينما تحمد الله على أن الله هو الشافي المعافي تقع نفسك موضع من تظهر عليه أثر ذلك الاسم فيكون الإنسان محلاً لشفاء الله عز وجل , حتى وان لم يقل يا رب أشفني . درجات الحمد : النقطة التي نريد قولها علينا أن ندرك أنه حينما نحمد الله تعالى فإننا نخطو الخطوات الصحيحة لكي نبلغ خطوات الكمال . نحن لا نقول هذه هي الغاية التامة من الحمد بل هذه بدايات الحمد ؛ بداية معنى الحمد أنه حينما أقول ( الحمد الله الذي يعطيني والذي يهب ) فإنه إذا صدق إدراك هذا المعنى في قلبي فإنني أكون موضعاً لجهة الإعطاء وجهة الوهابية من الله عز وجل . سوف نلاحظ في هذا الدعاء نحو من التلازم بين جهة الحمد لله وجهة السؤال ؛ المقطع الأول عشرون أو أقل من الفقرات كلها حمد ، ولكن نلاحظ في بعضها سؤال كأن السؤال مستبطن داخل الحمد . وفي بعض الفقرات يظهر بمناسبة حمد الله أنه هو المعطي ، هو الكريم ، هو الوهاب ، يظهر لنا مقطعاً من السؤال . وهذا ظهور أمر قد استُبطن وظهور أمر يناسب أن يخرج في ذلك الموضع .- إن شاء الله - يصبح ركيزة من ركائز دعائنا وعباداتنا لله عز وجل أن نلتفت أن الحمد اقرب طريقة لبلوغ ما نتمناه ، أقرب حتى من السؤال . الحمد لله تعالى أقرب حتى من السؤال وهذا ما أخبرنا به رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وما يفيدنا به المنهج العقلي . قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) هو الدليل . ويتضح لنا أن أقرب شيء لتحقيق غايتنا ورغباتنا ومسائلنا هو الحمد. وهناك بعض الأدعية التي هي في موارد الحاجة والفاقة والشدة ، إذا نحن قرأنا هذه الأدعية نجد أن الدعاء أغلبه كان حمداً مع أن الإنسان في موضع شدة وكان ملتفت لحاجة ولكن الدعاء أغلبه هو حمد وثناء على الله عز وجل بالجميل وما هو أهله من الثناء ثم يأتي ذكر الحاجة كنوع من التطمين للإنسان ونوع لبيان فقرة وحاجته إلى الله عز وجل . نعم بهذا نكون قد أعطينا مقدمات ونقاط تصلح لأن تهيأ لنا الدخول في فقرات هذا الدعاء . أفتتح كمالي بحمدك يا رب : وهنا نستعين بالله تعالى لنبدأ أول فقرة في الدعاء ( اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ، وَاَيْقَنْتُ اَنَّكَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرّاحِمينَ في مَوْضِعِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَاَشَدُّ الْمُعاقِبينَ في مَوْضِعِ النَّكالِ وَالنَّقِمَةِ، وَاَعْظَمُ الْمُتَجَبِّرِينَ في مَوْضِعِ الْكِبْرياءِ وَالْعَظَمَةِ ) ( اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ) من هنا أخذ اسم الدعاء ، أي أني يا رب أشرع وأجعل مدخلي ومولجي وطريقي إلى عبادة الله والتقرب لله سبحانه والسير والسلوك أجعله منطلقاً من حمد الله عز وجل ( اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ) وكأن الإمام ( عليه السلام ) يضع لنا قاعدة يجب أن نتحرك منها ، نحن قد عزمنا !! نفهم من الفقرة الأولى أنه لدينا عزم على أن نشرع في حمد الله عز وجل حتى تفتتح لنا أبواب الثناء على الله التي تسوقنا إلى الكمال فإننا نشرع بحمد الله . من الذي يحمد الله وكيف نحمد الله ؟ حينما نريد أن نحمد الله لا بد أن يكون لدينا أولاً إدراك منطلق من وسائل الحس فأول ما يدرك الإنسان الأشياء المحسوسة فاليد تلمس والعين ترى والأذن تسمع ولو لم تكن هذه الأمور الحسية موجودة فإنه لا تتوفر أسباب المعرفة الإدراكية العلمية . فمبدأ معارف الإنسان من أحاسيسه ، رؤية جمال الأشياء وسمع جميل الأصوات ، وهكذا . وبهذه الأمور تترقى إدراكاتنا ومعرفتنا ونحتاج إلى ذلك العقل الذي وهبنا الله عز وجل وبه توسعت مدارك معرفتنا فأصبحنا نعرف الكرم والخير والجمال بأشكاله . الإمام ( عليه السلام ) يعلمنا أنه لكي نتمكن من استغلال كل هذه الخيرات والنعم الإلهية بطريقة صحيحة تقودنا إلى بلوغ الغاية التي هي حمد الله عز وجل لا بد أن يكون هذا بتوفيق وهداية من الله عز وجل . ( اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ) أي رب أنا أحمدك ولكن (وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ ) هذه الفقرة قد تكون محمولة على العموم أي هذه يا رب أول فقرة أحمدك بها أي أنت يا رب تسدد للخيرات ؛ لكن الأقرب أن تكون هذه الفقرة ناظرة للفقرة التي قبلها مباشرة يعني يا رب أنا حينما أريد حمدك فإنني لا أستطيع أن أحمدك إلا بمنك ، والمفسرون الذين فسروا سورة الفاتحة يقولون(بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (البسملة يتبعها (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أي رب ( الحمد ) ولكن هذا الحمد لا يكون إلا (بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فيقولون إن التوفيق لحمد الله تعالى لا يكون إلا بفيض جود الله ونعمه وهدايته ، وهذا ينطبق على هذه الفقرة (اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ ) أنا يا رب أريد أن أحمدك ولكنني في حاجة إلى منك . منك : يعني عطاؤك وإفاضتك لكي أتمكن من تحقيق هذه الغاية (اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ) أي أنت الذي تسددني يا رب لكي أحمدك حمداً يليق بك . الحمد بقدر إدراك الحامد ومعرفته . كم من إنسان يريد أن يمدح إنسانا آخر، شخص يريد أن يثني على شخص آخر فيثني عليه بأمور لا تناسب مقامه ؛ فكيف بمن يريد أن يمدح الله عز وجل !! ليس أمراً متيسراً أن يوفق الإنسان لمدح وحمد الله عز وجل ، بل على رأي العلماء ليس أمراً ممكناً أصلاً . أي ليس هناك مادح لله تعالى مطلقاً ، لماذا ؟ لأن المدح والثناء والحمد يقتضي المعرفة ومن ذا الذي يعرف الله حق معرفته ليمدحه . رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الذي هو الغاية الكامل في الخلق حينما يمدح الله يقول مضمون الرواية ( أثني عليك بما أثنيت به على نفسك ) فأنا لا أعرف شيء أمدحك به فكل ما نعرف من الجمال هو مقيد بقيود وجودنا وبمحدوديتنا. فنحن تعلمنا الجمال من هذه الأشياء التي حولنا ولذلك عندما نريد أن ننسب الجمال لله تعالى نمدح الله عز وجل كما عهدنا من الجمال فهو سميع قوي عليم قادر ، كلها إنما ندركها بحسب ما توصل إليه إدراكنا ، وإدراكنا لا يتم ولا يصلح للثناء عليه سبحانه ، فحتى نثني على الله عز وجل بثناء يقبله الله نحتاج إلى منّ وإفاضة من الله عز وجل ، إلى كرم منه سبحانه يتمم معانينا الناقصة ويجعلها مقبولة . (وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ) الإنسان كلما كبرت درجته وعلت ، كلما تأسف على ما كان يثني به على الله عز وجل قبل ذلك . الذي تعلم في مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) كلما عرف وأدرك كم كان مقصرا في المدح والثناء على الله عز وجل ، ولكن مسامحةً ورحمةً به تقبل منه ، ويتدرج الناس في المعرفة إلى أن يصلوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) الذين يقولون ( وقصاراي الإقرار بالقصور ) أي إنني أقر أن أقصى شيء عندي وأكمل حالي وأعلى درجات ثنائي عليك أن أقر أنني قاصر عن حمدك ، هذا أكمل وأجمل درجات الحمد عند هؤلاء (عليهم السلام ) . ولذلك نحن في كل خطوة وفي كل محل نريد أن نحمد الله عزوجل لابد أن يحي عندنا هذا الشعور أن يا رب أنا في حاجة إلى منِّك ورحمتك ليكون هذا الحمد شيء ، لأننا حتى لو استعرنا عبارات وألفاظ الأولياء فالمشكلة في المعاني فنحن نذكر الكلام الذي عن الإمام السجاد وعن الحجة ( عليهم السلام ) ولكن لا ندرك المعاني التي يريدونها ، جميع الألفاظ ألفاظهم ولكن المعاني معانينا وتنطلق من قلوبنا . فنحن نحتاج إلى رحمة إلهية في كل خطوة نحمد الله عز وجل فيها . (اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ) عسى أن لا أقول كلاماً أمدحك فيه وإذا بالمعنى الذي يخرج من قلبي لا يليق بشأنك يا رب - أستغفر الله- فأنا أحتاج إلى منك لأدرك ويكون معنى كلامي فيه شيء من المقبولية ليكون مدحاً لك . (وَاَيْقَنْتُ اَنَّكَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرّاحِمينَ في مَوْضِعِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ) هذه ربما تكون الفقرة الأولى من فقرات الحمد (اللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ ) هذه كالمقدمة والمبينة للغاية من هذا الدعاء . أنا يا رب أقبلت عليك في هذا الدعاء وأنا أريد أن أحمدك وأنا أحتاج لمنك وخيرك في كل خطوة وكل حركة أتحركها لحمدك وأنا يا رب موقن بأنك أنت أرحم الراحمين وأشد المعاقبين وأعظم المتجبرين . والحمد لله رب العامين |
الدرس رائع جدا رحم الله والديكم على النقل
وفتح عليكم أبواب الجنة والرحمة من اوسعها |
شرح دعاء الإفتتاح ..الدرس الثالث..أنواع الحمد
✨��✨✨��✨�� ��بسم الله الرحمن الرحيم �� ✨شرح دعاء الافتتاح ✨ سلسلة دروس القاها سماحة الشيخ الفاضل ☄عبد المحسن النمر ☄ في شهر رمضان 1422ه في الدمام يشرح فيها بعض معاني دعاء الافتتاح الدرس الثالث : أنواع الحمد الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين ... ( اَللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ، وَاَيْقَنْتُ اَنَّكَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرّاحِمينَ في مَوْضِعِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَاَشَدُّ الْمُعاقِبينَ في مَوْضِعِ النَّكالِ وَالنَّقِمَةِ، وَاَعْظَمُ الْمُتَجَبِّرِينَ في مَوْضِعِ الْكِبْرياءِ وَالْعَظَمَةِ ) تلخيص لما مضى: هذا الدعاء تربية منهجية وتعليم لحمد الله عز وجل ، حيث أنه يأخذ في الاعتبار كيف يسلك بالداعي منازل التعرف على الله عز وجل وتهيئة النفس وتوجيهها إلى فتح أبواب التدرج للتعرف على كمال الله وجماله وجلاله . ومدار هذا الدعاء هو الحمد ، وهذا هو الجزء الأول من الدعاء إذ قسمنا الدعاء مسبقا إلى أربعة أجزاء ، وذكرنا بنحو مقتضب أن الحامد لله إذا ذكر صفة من صفات الثناء على الله يلزم منها أن يكون هذا الذاكر محلا لتجلي هذه الصفة وظهور آثارها وذلك إذا كان ذكره عن صدق . وسوف نرى في فقرات الدعاء كيف أن الحامد سائل لأن من آثار الحمد الاستدعاء والسؤال ولكن هذه بداية درجات الحامد . وهذا تلخيص مغزى فقرة (اَللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ) ، ثم تأتي الفقرة الثانية (وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ) اعترف بأنني أنا يا رب حين أحمدك ليس لي وسيلة ولا قدرة على تحقيق هذا الحمد إلا بفضلك وعطائك ، فإذا حدث مني ما يكون فيه صبغة الثناء الحقيقي عليك فإن هذا فقط وفقط بسبب توفيقك ومنك . (وَاَيْقَنْتُ اَنَّكَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرّاحِمينَ في مَوْضِعِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَاَشَدُّ الْمُعاقِبينَ في مَوْضِعِ النَّكالِ وَالنَّقِمَةِ، وَاَعْظَمُ الْمُتَجَبِّرِينَ في مَوْضِعِ الْكِبْرياءِ وَالْعَظَمَةِ) هذه الفقرة والفقرة التي تليها هي كالتهيئة والتبرير لأتوجه بحمدي لك ، يا رب أنا أعرضت عن التوجه لسائر المخلوقات لأنني أراك يا رب أنك أنت (اَرْحَمُ الرّاحِمينَ في مَوْضِعِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَاَشَدُّ الْمُعاقِبينَ في مَوْضِعِ النَّكالِ وَالنَّقِمَةِ) –وفيها حصر فليس هناك أحد آخر يستحق الحمد سواك -أي أنا عندما أطلب شيئاً فأنا أطلبه من المعطي الرحمن الرحيم وهو أنت سبحانك ، أنا يا رب إذا أخاف من شيء فأنا أخاف ممن يكون -شديد العقاب- عقابه أشد وأقوى وأدوم من غيره وأشد المعاقبين هو أنت ، كما أنني إذا أردت أن أحمد ذي العظمة والكبرياء والجلال فهو أنت سبحانك ؛ فكأنه توجيه أنه أنا يا رب وجهت همي وقدرتي لحمدك لأنك أنت (اَرْحَمُ الرّاحِمينَ ، اَعْظَمُ الْمُتَجَبِّرِينَ ، أشَدُّ الْمُعاقِبينَ) . الأذن بالدعاء: ثم تأتي الفقرة الثانية (اَللّـهُمَّ اَذِنْتَ لي في دُعائِكَ وَمَسْأَلَتِكَ فَاسْمَعْ يا سَميعُ مِدْحَتي، وَاَجِبْ يا رَحيمُ دَعْوَتي) هي كالاستتباع لهذه الفقرة (وَاَيْقَنْتُ اَنَّكَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرّاحِمينَ في مَوْضِعِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ ، وَاَشَدُّ الْمُعاقِبينَ في مَوْضِعِ النَّكالِ وَالنَّقِمَةِ ) بعد أن تبين أن توجه قلبي لحمدك لأنك أنت الرحمن الرحيم المعطي ، يقول أنه ربما يخطر سؤال في ذهن الداعي أنه وإن كان الله هو الرحمن ، الرحيم ، وأشد المعاقبين . ما الذي جرأني على سؤاله ، ما الذي جرأني أن أقصده وأتجرأ على سؤاله ؟ يقول (اَللّـهُمَّ اَذِنْتَ لي في دُعائِكَ وَمَسْأَلَتِكَ) لاحظواالترابط بين الفقرتين أنت الذي تستحق أن تحمد فأنا لست أهلاً لأن أحمدك ولكن أنت أذنت لي بدعائك ومسألتك (فَاسْمَعْ يا سَميعُ مِدْحَتي) يا رب مبرري وحجتي في أنني أحمدك وأسألك وأثني عليك هو أنك أنت يا رب أذنت لي في دعائك ومسألتك (فَاسْمَعْ يا سَميعُ مِدْحَتي ، وَاَقِلْ يا غَفُورُ عَثْرَتي ) أقل عثرتي عامة أي أنا يا رب كثير العثرات والأخطاء أتجاوز حدود ما أمرت به ونهيت عنه التفت إلى غيرك أجعل حيائي وخوفي من غيرك في حياتي الكثير من العثرات . وقد تكون فيها خصوص هذه الجرأة لأنه لما قال (اَذِنْتَ لي في دُعائِكَ وَمَسْأَلَتِكَ) أي كأنه يبين سبب الجرأة التي جعلتني أتجرأ على سؤالك أي أنا يا رب داعيك وسائلك لأنك أذنت لي . متى أذن الله للعبد بالسؤال والدعاء ؟! هنا يحتاج السائل أن يستذكر متى أذن له الله بالدعاء والمسألة ؟ فلا بد أن نلتفت إلى أنه هناك كرم خاص وتوفيق وتوجيه خاص لنا بالدعاء بمعنى أن لا نتصور أن الإنسان إذا وفق وخلا بالله عز وجل ودعا بدعاء الافتتاح أن له المنة والفضل في هذا العمل بل الذي وفقه للدعاء هو إذن الله عز وجل . حينما أعطاه العقل والفكر وهذا القلب كان إذنا له ، حينما أرسل إليه الرسل والأنبياء كان إذن الله له حينما أنزل إليه الكتب كان إذناً ، حينما جاءت الكتب السماوية تحث العبد على السؤال والدعاء فهو إذن!!. القرآن كله والروايات كلها إذا أردنا تلخيصها فتلخصيها أنه اسألوا الله وتوجهوا إليه سبحانه ، فدعوة الأنبياء تدور مدار توجيهنا نحو الله تعالى. قلوبنا وعقولنا تدعونا ودعوة الأنبياء توجهنا . هذا إذن من الله عز وجل وتوفيق لنا بالدعاء ، ومن التوفيق هذا الظرف المعين الذي جعلني أدعو الله عز وجل فهو إذن من الله عز وجل لي في الدعاء . حينما يشعر الداعي بهذا الشعور يقول ( يا رب اَقِلْ يا غَفُورُ عَثْرَتي) أي يا رب هيأت لي ظروفاً لكي أدعوك وأتوجه إليك لكنني غير مطمئن أنني أستطيع أن أدعوك بما يجب لك من الدعاء . (وَاَقِلْ يا غَفُورُ عَثْرَتي) قد تكون عامة لما مضى في حياتي وقد تكون بخصوص موقفي هذا وإقدامي على الدعاء والثناء والحمد فأنا خائف في أثناء دعائي أن لا أكون صادقاً مخلصاً واعياً لما يحق لك من الدعاء والثناء (واَجِبْ يا رَحيمُ دَعْوَتي) كذلك قد تكون إجابة عامة لدعواتي في حياتي التي مضت وقد تكون في خصوص حالي هذا الذي أتوجه إليك فيه. ( فاسْمَعْ يا سَميعُ مِدْحَتي ) أيضا قد تكون عامة في كل حياتي وقد يكون التوجه فيها أنه الآن أنا يا رب شارع في دعائك (فاسْمَعْ يا سَميعُ مِدْحَتي) ( اسْمَعْ ) ليس بمعنى اعلم بما أقول لأن الله عالم بكلام المؤمن والكافر والمصيب والمخطئ ، لكن (فاسْمَعْ يا سَميعُ مِدْحَتي) أي هذه الحجب التي تحجب بين كلامي وبين وصوله للقبول في ساحتك يا رب ارفع هذه الحجب. صحيح أننا ننظر إلى هذه الفقرات إلى أنها عامة في الحياة ، لكن الظاهر أن تسلسل الفقرات وارتباطها يدل على أن هذا الحامد يتقدم خطوة ثم يتردد .. أنا أحمد الله عز وجل ما المبرر لحمدي لله عز وجل ؟! لاحظ كيف تسير هذه الخطوات . فكأنما هي مسيرة ومسلك يحرك الإنسان درجة فدرجة لرفع أسباب الوحشة والتخوف وعدم الاطمئنان ، عندما نصل إلى الفقرة السابعة سوف يتضح هذا المعنى بصورة أجلى .لكن من الآن التفتوا إلى أن هذا الدعاء يرتقي بالإنسان خطوة فخطوة ، لأن تلك الغيوم التي تراكمت على قلبي وفكري وحياتي الآن أنا في مقام مواز ومقارب لمقام الأولياء والأنبياء الصادقين الشاكرين الحامدين الذين بلغوا ، فإني أضع نفسي في موضعهم وأعزم على أن أكون حامداً لك مثلهم ؛ أي على طريقة حمدهم أحمدك وليس كحقيقة مدحهم. تهيئة النفس للوصول إلى مقام الحمد لله : رهبة هذا الموقف تحتاج إعانة من الله ولتقريب الصورة نضرب مثالا حال الإنسان الذي يجد نفسه مدعواً مع أشراف بلده للقاء شخص عظيم فإنه قبل أن يقدم على اللقاء يرتب مظهره وما يتمكن من تهيئة لأموره وشؤونه ، يحاول أن يزيل تلك الأمور العالقة بينه وبين هؤلاء الأشراف حتى يصبح برفقتهم فهو كذلك مع الأولياء عندما يريد أن يكون حامداً لله عز وجل يتهيأ ويستعد. التعاليم في الدعاء هنا تأتي لترفع جوانب الغيوم وظلال الخوف والوحشة والتردد وأسباب اليأس فيتممها هذا التعليم فيقول (فَكَمْ يا اِلهي مِنْ كُرْبَة قَدْ فَرَّجْتَها وَهُمُوم قَدْ كَشَفْتَها، وَعَثْرَة قَدْ اَقَلْتَها، وَرَحْمَة قَدْ نَشَرْتَها، وَحَلْقَةِ بَلاء قَدْ فَكَكْتَها) قد نفهم أن هذه الفقرات عامة لجملة حياة الإنسان وقد نفهم أنها يا رب كما سبق لي في حياتي وأنعمت علي بشتى النعم وفرجت عني الشدائد والكرب وكشفت همومي وأقلت عثراتي فيما مضى من حياتي فأنا الآن يا رب مقدم على حمدك وأتمنى عليك وأسألك أن تزيل العقبات التي تقف بيني وبين تلك المرحلة من الحمد والثناء عليك . يتبع |
تابع الدرس الثالث ..أنواع الحمد
الدعاء استئذان يستبطن الحمد:
هذه الفقرات التي ذكرناها استئذان واعتذار ولكن في نفس الوقت تستبطن الحمد أيضاً . فلو نظرنا لها من الجهة الأخرى لوجدنا أنها مبدأ الحمد حينما يقول ( عليه السلام ) (وَاَيْقَنْتُ اَنَّكَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرّاحِمينَ في مَوْضِعِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ ، وَاَشَدُّ الْمُعاقِبينَ في مَوْضِعِ النَّكالِ وَالنَّقِمَةِ وَاَعْظَمُ الْمُتَجَبِّرِينَ في مَوْضِعِ الْكِبْرياءِ وَالْعَظَمَةِ، اَللّـهُمَّ اَذِنْتَ لي في دُعائِكَ وَمَسْأَلَتِكَ فَاسْمَعْ يا سَميعُ مِدْحَتي) هذه استئذانات ومقدمات تستبطن حمد الله عز وجل ، أو هي حمد في لباس الاستئذان .؟! البداية بصريح الحمد: الفقرة الأولى يرد فيها الحمد بصراحة (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً وَلا وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في الْمُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِىٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبيراً) تلك الفقرات فيها الحمد مستبطن لكن لو أردنا فقرة يرد فيها الحمد الصريح لوجدنا أن هذه الفقرة هي أول فقرة يرد فيها الحمد الصريح ، البقية كانت كلها دعوات وتبرير وإن كانت مليئة بالمحامد لله عز وجل . الحمد التوحيدي : (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي َلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في الْمُلْكِ) وهذه قضية توحيدية ذكرها القرآن في عدة مواضع لأنه قد ابتلي الإنسان في توجهه للخالق والمعبود بعدة ثغرات فكرية وقعت به في الشرك ، فتصور الإنسان أن هذا الخالق الموجد شأنه شأن هذه الموجودات ، وأن هذا العالم تولد منه كما نرى كيفية الولادة ، فالتولد هي الظاهرة الطبيعية في بعض الموجودات ( الحيوانات ، الإنسان ) ، بل حتى الأشياء المادية المختلفة ، فلا نجد شيئا ينبع بدون مقدمة وإنما له صورة ووجود سابق ، ثم يكون نوع ازدواج بين شيئين ينتج منهما شيء ثالث ، ومنها تسربت هذه الفكرة على ذهن الإنسان و هيمنت عليه ، و لجهله وقصوره حكم على البارئ عز وجل أن شأنه شأن سائر الموجودات من ظهور تولدي ، فأول فقرة واردة في الحمد هي بصدد نفي هذا التصور . والقرآن ذكر أن اليهود والنصارى وأيضا الكفار وقعوا في هذا التوهم فهذه الفكرة شملت الكل . وإذا أردنا أن نعمم فكرة التوحيد والولادة والتولد لوجدنا أن كل مشرك بالله عز وجل ينشأ شركه من اعتقاده أن الموجودات تمر بعملية الظهور من ازدواج حالتين تنتج منهما حالة ثالثة ثم هذه الحالة الثالثة تظهر بالتدرج في حالات أخرى فظاهرة التولد ظاهرة تصيب العقل البشري من السابقين واللاحقين (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (التوبة 30) وقدم القرآن في آيات كثيرة نفي لهذا التصور وبين سبب الخلل الذي وقعوا فيه . بداية الحمد أن هذا التخيل الذي تتخيلونه في أن الله وجد بموجود قبله ورث منه الوجود والحياة ثم نحن تولدنا منه تخيل غير صحيح فلله الحمد حيث لا صاحبة له ولا ولد (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً وَلا وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في الْمُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِىٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبيراً ) (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في الْمُلْكِ ) هذه العبارة واضحة وإن كانت ذات معنى أعمق وأنه لا شريك لله في الملك لا إله ولا نبي ولا إنسان ولا أي موجود شريك له سبحانه في ملكه ، بل أنت ايها الانسان لست شريكاً لله عز وجل حتى في نفسك وقدرتك وما لديك ، فكل ما في هذا الوجود ملك محض لله عز وجل حتى أنفسنا ومشاعرنا . (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِىٌّ مِنَ الذُّلِّ) لم يكن لله من يكون معين له يملك عليه القدرة والهيمنة بسبب حاجته له ، ليس هناك شيء في هذا الوجود يحتاجه الله حتى يكون ولياً له عز وجل . (وَكَبِّرْهُ تَكْبيراً) نتيجة هذا الثناء على الله عز وجل والحمد له أنه كبروا لله عز وجل ، أي الله أكبر مما نتخيل ونتصور ، وأكبر من كل صورة ذهنية تخطرعلى ذهن الإنسان وأكبر من كل كبير ، الله عز وجل له الكبرياء والعظمة المطلقة . الحمد التحميدي : (اَلْحَمْدُ للهِ بِجَميعِ مَحامِدِهِ كُلِّهَا) هذه ثاني فقرة يتكرر فيها الحمد صراحة ، الفقرة الأولى من الحمد فيها أربعة أركان أما هذه الفقرة فهي واحدة . الفقرة الأولى توحيدية بحتة أما هذه فهي حمد تحميدي بمعنى إن هذا الحامد كأنما يريد أن يحمد الله عز وجل ثم لا يعرف كيف يحمده ولا يدري بأي شيء يحمد الله عز وجل فيقول (اَلْحَمْدُ للهِ بِجَميعِ مَحامِدِهِ كُلِّهَا ) قد يكون لها معنى آخر ولكن الأقرب أن الله قد مدح نفسه ، ولا شك أن المادح الوحيد لله هو الله لأن مدحنا ومدح سائر الموجودات لله عز وجل إنما هو بقدر سعة وجودهم وفكرهم ، فكل حامد يحمد الله إنما حمده راجع على نفسه وقدرته وبحسب امكاناته ، ومن التجسر و الجرأة على الله أن تقول إننا نحمدك يا رب ، أو أننا نعرف كيف نحمدك . فنحن نتلفظ بما ورد في القرآن ، ولكن نحن نعرف أن المسألة ليست مسألة ألفاظ و لو كانت المسألة مسألة ألفاظ لربما كان الذي يحفظ الكلام يعرف كيف يحمد الله عز وجل ؛ إنما المسألة مسألة إدراك ومعرفة وتحقق . فأول فقرة بعد فقرة التوحيد هي التحميد المطلق لله عز وجل ، يا رب أنت حمدت نفسك فأنا بجميع ما حمدت به نفسك مما جاء على لسان أنبيائك وبما نزل في كتبك السماوية فإنني أنسبه إليك (اَلْحَمْدُ للهِ بِجَميعِ مَحامِدِهِ كُلِّهَا) وأنا أسلم بأن هذه المحامد ليست مني ولا تنسب لي ولا أنا الذي أدرك معناها ولكن كما أثنيت على نفسك وأنت أعلم بنفسك وكبريائك وعظمتك ، فكما أثنيت على نفسك ذلك الجلال والكمال والتسبيح والتقديس الذي نسبته إلى نفسك لا التسبيح الذي أنا أعرفه ولا التقديس والجلال الذي أنا اعرفه وإنما الجلال والعظمة الذي نسبته إلى نفسك أنا أنسبه إليك . (اَلْحَمْدُ للهِ عَلى جَميعِ نِعَمِهِ كُلِّها ) كل نعمة من نعمك يا رب هي مظهر لكل محامدك كل نعمك يا رب هي ابتداء وعطاء بلا استحقاق وهي مظهر لجميع جمالاتك ، فنحن يصعب علينا أن ندرك هذا المعنى لكن نعم الله الجليلة مظهر لحمده ، ونعمه التي نراها صغيرة هي مظهر لجميع محامده أيضاً . الفقرة الثالثة والرابعة في الحمد الفقرة الثالثة (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لا مُضادَّ لَهُ في مُلْكِهِ، وَلا مُنازِعَ لَهُ في اَمْرِهِ) أي لا يوجد هناك اثنان متضادان في الملك وربما تكون هذه الفقرة تفصيل أو قرينة لما مر أنه (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في الْمُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِىٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبيراً، ، وَلا مُنازِعَ لَهُ في اَمْرِهِ،) وهذه أيضاً ربما فقرة تفصيلية لما مر بمعنى أن الله عز وجل الذي يحكم على جميع هذه الموجودات لا يوجد أحد له حكم مع الله ، قد نتخيل نحن مثلاً ملك يأمر والوزراء ينفذون أوامره فلا بد أنه يحدث في تسلسل هذه الأوامر خروج لرغبة ذلك الملك فلا تقع الأمور تماماً على ما يريده ، نحن لا نبعد هذا التصور عن الله عز وجل نحن في خيالنا نتصور أن الله أمر الناس بالخير لكن الناس فيهم من أطاع وفيهم من عصى فحدث - استغفر الله - عدم استجابة تامة لما أراده تعالى . يرتسم في عقولنا أن الله سبحانه أمرالناس وأرسل الرسل والملائكة والأسباب والمسببات ولكن الناس عصوا فنازعوا الله في أمره بكيفية ما أو بأخرى هذا الذي نراه ليس بحق ، إنما الحق أن كل ما يجري في هذا الوجود هو بإرادة إلهية لا تتخلف ذرة واحدة . يتبع |
تابع الدرس الثالث ..أنواع الحمد
الفقرة الرابعة (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لا شَريكَ لَهُ في خَلْقِهِ، وَلا شَبيهَ لَهُ في عَظَمَتِهِ،)
الفقرة الخامسة : إفشاء الحمد الفقرة الخامسة ( َلْحَمْدُ للهِ الْفاشي في الْخَلْقِ اَمْرُهُ وَحَمْدُهُ، الظّاهِرِ بِالْكَرَمِ مَجْدُهُ، الْباسِطِ بِالْجُودِ يَدَهُ، الَّذي لا تَنْقُصُ خَزائِنُهُ، وَلا تَزيدُهُ كَثْرَةُ الْعَطاءِ إلاّ جُوداً وَكَرَماً، اِنَّهُ هُوَ الْعَزيزُ الْوَهّابُ) هذه من أطول الفقرات وعندها سينتهي الحمد في المقطع الأول ، وسيتضح أن هناك تسلسل وترتيب في هذه المقاطع ( الْحَمْدُ للهِ الْفاشي في الْخَلْقِ اَمْرُهُ وَحَمْدُهُ) الفاشي يعني المنتشر أي الذي يوجد في الخلق إنما هو أمر الله عز وجل ، أمره الذي وجدت به الموجودات وظهرت إلى عالم الوجود فأمر الله هو الظاهر ، كما أن إرادته سرت في هذا الوجود فعلى كل ذرة من ذرات هذا الوجود أمر الله وعليها حمد الله عز وجل . (الظّاهِرِ بِالْكَرَمِ مَجْدُهُ) مجد الله عز وجل ظاهر بالكرم أي الله جل جلاله وعظمته ورفعته ومجده مجد الكريم الذي يعطي ويهب ولهذا خرج عالم الوجود للوجود ، نحن نتصور أن فلان له عظمة ومجد ولكن هذا المجد لا يظهر لأنه ليس كريم وليس منكشف أما مجد الله العظمة والكبرياء وهي بارزة و مفيضة على هذا الوجود بالكرم ، لم يكن هذا الوجود في حد ذاته مستحق وليس لهذا الوجود أصل ليكون به أهلاً للإفاضة ولكن الله أفاض هذا الوجود على الموجودات . (الْباسِطِ بِالْجُودِ يَدَهُ، الَّذي لا تَنْقُصُ خَزائِنُهُ، وَلا تَزيدُهُ كَثْرَةُ الْعَطاءِ إلاّ جُوداً وَكَرَماً) هذا هو التسلسل الذي ينساق إليه حمد الله عز وجل الواحد الأحد الذي ليس له شريك والذي له جميع المحامد والذي لا مضاد له في ملكه ولا منازع له في أمره ، الحمد لله الفاشي في الخلق حمده ، والحمد لله الذي مجده ظاهر بالكرم . الله عز وجل يفيض بالخيرات والنعم على عباده من خزائنه التي لا تنقص . إذا نلت أنت شيء أو نال أحد غيرك من الدرجات فإن هذا لا ينقص من عطائه ، وهنا تنفتح أمام الإنسان أبواب الخيرفي هذه الخيرات والبركات ، نحن نرى إن كل ما في هذا الوجود وكل ما عهدناه في هذا الوجود كلما أخذت منه فإن المتبقي قد تأثر وقل .الآن بإمكانك أن تأخذ لكن تأخذ بروية فما تأخذه في المرة الثانية يختلف لأن أخذك في المرة الأولى قد أنقص الخزينة ، فإذا طلبته ثالثة فإنه لا يمكن أن تنال في هذه الحالة كما نلته في الحالة الثانية وهكذا كلما أخذت كلما قل ما يمكن أن تحصل عليه . لكن خزائن الله وعطاء ه على العكس من ذلك ، فأنت كلما زدت عطاءً كلما زدت إلى الله تعالى تقرباً وزادت عليك الإفاضات وانفتحت لك أبواب خيرات لم تكن تعهدها من قبل ، لا نتصور أن الله عز وجل يوم القيامة يفيض علينا تمراً وخبزاً وماءً حتى نشبع !!! كل ما نعرفه وما نعهده سوف يفيضه علينا إلى الحد الأسمى .في الآخرة كلما زاد الله لك عطاء كلما ازداد وجودك سعةً وازدادت طلباتك علوا فالعطاء الأخروي لا يمكن أن يتخيله الإنسان أو يخطرعلى قلبه ما عند الله من خيرات . الله إذا أفاض علينا رحمة فسوف نكون أكثر استعداداً لاستفاضة رحمة أوسع منها ، فكم هو كريم هذا الرب وكم هي واسعة هذه العطاءات وهذا لا يمكن أن يخطر في بالنا ولا يمكننا استيعابه ، لأننا الآن ندرك حداً معيناً من هذه الرحمات ، الآن لو فتحنا كل أبواب الرحمة على قلوبنا لرسمناها بصورة معينة . إذا أفاض الله علينا من خيراته فسوف تتسع ساحة استعدادنا ولهذا يتلو هذه الفقرة مباشرة السؤال . كل ما ذكرنا هو حمد وقد ذكرنا أن هذه الفقرة خاصة بالحمد وليس فيه سؤال ولكن السؤال جاء تبعاً وفي ذيل هذه النظرة الكرامية لله عز وجل ، سبق القول أن الحامد سائل لاحظوا حينما حمد الله وأثنى عليه وبلغ أن يقول (وَلا تَزيدُهُ كَثْرَةُ الْعَطاءِ إلاّ جُوداً وَكَرَماً، اِنَّهُ هُوَ الْعَزيزُ الْوَهّابُ) كان تجلى هذه الوهابية الإلهية أن الإنسان يسأل شيئاً آخر ربما غير ما كان سيسأله قبل أن يحمد الله !! انظروا كيف تغير السؤال في الفقرات التالية فيقول ( عليه السلام ) : (اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ قَليلاً مِنْ كَثير، مَعَ حاجَة بي اِلَيْهِ عَظيمَة وَغِناكَ عَنْهُ قَديمٌ ) إلى هنا نتوقف لكن أنبهكم إلى أن إكمال هذه الفقرات يحتاج أن نستتبع كيف أن الدعاء بعد أن بلغ هذه المرحلة من الحمد لله عز وجل سوف يكون الحمد الآن بصيغة أخرى ، و سوف يتبين لنا أن هناك محامد غير حمد السائل فبعد أن يصل الإنسان إلى هذا المقدار من حمد الله عز وجل سوف تنفتح له أبواب أخرى من الحمد . والحمد لله رب العالمين. |
الدرس الرابع ..التكامل في مدارج الحمد
بسم الله الرحمن الرحيم ✨شرح دعاء الافتتاح ✨ سلسلة دروس القاها سماحة الشيخ الفاضل ☄عبد المحسن النمر ☄ في شهر رمضان 1422ه في الدمام يشرح فيها بعض معاني دعاء الافتتاح الدرس الرابع : التكامل في مدارج الكمال الحمد في القرآن : (اَللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ) سورة الحمد تبدأ بحمد الله عز وجل وهي فاتحة الكتاب ، فالقرآن وفاتحة الكتاب وأول آية فيها هي حمد الله عز وجل بعد التسمية والاستعانة باسمه تعالى ؛ وشهر رمضان شهر الفتح وافتتاحه بحمد الله عز وجل ، الجزء الأكبر والأعظم من العبادات هو حمد لله عز وجل . الفاتحة حمد لله وهي أم الكتاب ، سورة التوحيد ( توحيدها ) حمد لله عز وجل ، هذه السورة التي هي أكثر ما ورد من السور استحباب قراءتها سواء في الفرائض أو في النوافل ، في بعض النوافل يستحب قراءة التوحيد فيها 10 مرات أو 100 مرة أو 1000 مرة . آية الكرسي هي من أعظم آيات القران الكريم وهي من أفضل التعقيبات بعد الصلاة وهي حمد لله عز وجل . القرآن الكريم أكثر آياته كلها حمد أو تنتهي بالحمد . والصلاة كلها حمد لله ، ركوعها حمد ، سجودها حمد ، قرائتها حمد . أدعيتنا - بالأخص في الليالي المباركة - هي حمد لله عز وجل . الحمد .. غاية الخلق : قال تعالى في حديث قدسي (كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف ) غاية ومنطلق هذا الخلق هو حمد لله عز وجل . المعرفة طريقها ومسلكها هو الحمد لله (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56 الذاريات هذه الإرادة الإلهية التي أخرجت العالم والوجود والمخلوقات وتفضلت على هذه المخلوقات بالإيجاد لها غاية ؛ وطريق ومنتهى هذا الطريق والغاية هو العبادة وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )56 الذاريات (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ )77 الفرقان العبادة منطلقها ومركز معانيها كما نستفيد من مجموع هذه الدلائل هو دعاء الله ومادة دعاءه هو حمده . الدعاء مخ العبادة !! أي عبادة يمكن أن يكون لها أثر ونتيجة لا بد أن يكون منطلقها هو الدعاء ، لو أن مخلوقاً له أذنان سميعتان وعينان باصرتان و يدان تبسطان وتقبضان وقدمان تذهبان وترجعان وله فكر ونظر وقد اكتملت جميع أجزاءه وقواه البدنية ولكن ليس له مخ ... ما قيمته ؟ لا قيمة له ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ) 77 الفرقان والدعاء مخ العبادة هذا الحديث من منطلق الآية . الخلق والوجود غايته العبادة والعبادة مخها الدعاء فما هو الدعاء ؟ الدعاء هو كما قال الإمام الباقر( عليه السلام ) : ( إنما هي المدحة ثم الإقرار بالذنب ثم المسألة ) المدحة أي ذكر الله عز وجل وحمده والثناء عليه . إني قريب ..!! إن منشأ كل تقرب ومسيرة لله عز وجل ، وكل حركة يسعى بها الإنسان لينال الفوز والفلاح هي الارتباط بالله ومدحه والثناء عليه قال تعالى ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) 186: البقرة ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي )186 : البقرة. ؟ لم تقل الآية فإني أجيب دعوة الداعي وإنما بدأت بشيء آخر قبل (أجيب دعوة الداعي) وهي إني قريب!! . في هذه الآية ركيزتان مهمتان جداً يجب أن نلتفت إليهما : 1- أن المسؤول والمتحدث إليه كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، الحديث كان يدور بين العباد (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) وبين رسول الله ، المسؤول عنه هو الله فالحوار بين رسول الله وبين العباد لكن المجيب ليس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) بل المجيب هو الله ، إذا راجعنا القرآن نجد آيات كثيرة مثل(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) 222 :البقرة ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ)189 : البقرة كل الآيات تقول ( قل ) أما في هذه الآية لا يوجد ( قل ) الجواب يتولاه جلال الله ورفعته ، الحضور والظهور أمام السائل ، رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) رأس هؤلاء الذين يحضر ويظهر لهم ، لكن أنتم أيها العباد أهلٌ لأن تكونوا بمحضر الجواد مباشرةً ، كم هو فرق ؟! بين أن ترسل رسولاً يحمل كلاماً إلى الناس وبين أن تذهب أنت بنفسك لتقول هذه الرسالة .هذه الآية تتجاوز الصيغ السابقة ففي الجواب ظهور وتجلي إلهي مباشر . 2- وأيضاً النقطة الثانية أنه ليس الجواب إذا سألك عبادي عني فإني أجيب دعوتهم ، لا !! ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ) 186: البقرة{ ربما لم يكن العباد في أصل مسألتهم أنهم يتوجهون إلى صاحب الإجابة ، ربما كانوا يتوجهون إلى الإجابة ، الآية تقول أولاً (فإِنِّي قَرِيبٌ ) 186: البقرة ثانياً ( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ) 186: البقرة. الآية توضح أن حقيقة المنطلق والتحرك إلى الله عز وجل ونيل المقامات عنده بإدراك هذا الظهور الإلهي ( فإِنِّي قَرِيبٌ ) 186: البقرة، الحمد والشكر والثناء والعظمة هي نسبة هذه الحقائق إلى الله وهو مقتضى كونه قريب وظاهر . الحمد ..أنس وامن وحب : نحن في بداية حديثنا عن دعاء الافتتاح قلنا أن الحامد سائل لله عز وجل ، والحمد أقرب طريق إلى السؤال ، والحامد ينال من الجواب أفضل مما يناله السائل ، الآن بدأ يتضح لنا أن سر هذه الأفضلية وهذا القرب هو أن الحمد هو المقتضي و المستدعي ، ثم يتوضح لنا بعد ذلك أثناء قراءتنا للدعاء أن الحمد لا يقتضي إجابة الدعاء فقط بل يقتضي الأمن والأنس والإدلال والمحبة والتودد وكل هذه مراحل تتدرج كلما ازداد تعلم الإنسان ونطقه بنوع من الحمد لله عز وجل ، كلما ثبتت معرفة الله في قلبه ورسخت وبالتالي انفتح له باب من أبواب الإجابة والتقرب إلى الله عز وجل ( فَصِرْتُ اَدْعُوكَ آمِناً، وَاَسْاَلُكَ مُسْتَأنِساً، لا خائِفاً وَلا وَجِلاً، مُدِلاًّ عَلَيْكَ فيـما قَصَدْتُ فيهِ اِلَيْكَ فَاِنْ اَبْطأَ عَنّي عَتَبْتُ بِجَهْلي عَلَيْكَ، وَلَعَلَّ الَّذي اَبْطأَ عَنّي هُوَ خَيْرٌ لي لِعِلْمِكَ بِعاقِبَةِ الاُْمُورِ، فَلَمْ اَرَ مَوْلاً كَريماً اَصْبَرَ عَلى عَبْد لَئيم مِنْكَ عَلَيَّ يا رَبِّ، اِنَّكَ تَدْعُوني فَاُوَلّي عَنْكَ، وَتَتَحَبَّبُ اِلَيَّ فَاَتَبَغَّضُ اِلَيْكَ، وَتَتَوَدَّدُ اِلَىَّ فَلا اَقْبَلُ مِنْكَ ) مقتضى أن تتحبب إلي أن أتحبب إليك ، الذي يحفز له هذا المقطع من الدعاء أن تكون محباً لله كما أن الله عز وجل محباً لك ( وَتَتَوَدَّدُ اِلَىَّ فَلا اَقْبَلُ مِنْكَ، كَاَنَّ لِيَ التَّطَوُّلَ عَلَيْكَ) حمدتك أنا يا رب أولاً وتذكرت نعمك علي ، وتذكرت جهلي وقصوري وعدم استجابتي وانسجامي لما تحب من تلك العظمة والرحمة والوهابية وذلك الجلال والكرم ؛ والآن علمت بأن هناك حمد جديد لك يا رب أعطيتني إياه ابتداءً فكان لك الحمد في ذلك وحينما لم استجب لك وقصرت ، أنت أيضاً يا رب بجودك وكرمك تستحق الآن الحمد، ويظهر الآن من رحمتك رحمة جديدة ، ومن سعة عفوك سعة جديدة ، فارحم عبدك الجاهل وجد عليه بفضل إحسانك أنك جواد كريم ، الله هو العزيز الوهاب وفي الختام جواد كريم !! ختام هذا المقطع الذي انطلق منه أن الله سبحانه وتعالى لا ضيق في ساحة عطائه فذلك الجود والكرم الابتدائي الآن يُتمم بجود وكرم جديد ، الكرم والجود الابتدائي كان يناسبه عبودية وصدق وإخلاص ؛ فاستحق بذلك حمدًا واستحق بذلك عطاءً ولكني لم أقابل ذلك الكرم والجود الابتدائي فما العمل الآن ؟ تظهر آثار كرم جديد لله عز وجل ، كرم لهذا العبد الجاهل القاصر ( فَارْحَمْ عَبْدَكَ الْجاهِلَ ) كما رحمت عبدك في الابتداء حيث لم أكن شيئاً ولم أكن أستحق شيئاً ، رحمتني وأعطيتني ووفقتني وأنا الآن بعد تقصيري وبعد جهلي أنا يا رب أريد كرماً وعطاءً جديداً ( فَارْحَمْ عَبْدَكَ الْجاهِلَ وَجُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ اِحْسانِكَ اِنَّكَ جَوادٌ كَريمٌ ) المأمول فيمن يقرأ هذا الدعاء أن لا يخرج منه إلا وقد اكتسى بكسوة جديدة ، اكتسى بكسوة الأنس مع الله كسوة المتودد مع الله ، حين ذاك يعود للحمد مرة أخرى لتكتمل فقرات الحمد ( اَلْحَمْدُ للهِ مالِكِ الْمُلْكِ، مُجْرِي الْفُلْكِ، مُسَخِّرِ الرِّياحِ، فالِقِ الاِْصْباحِ، دَيّانِ الدّينِ، رَبِّ الْعَالَمينَ ) إذ لبست ملبس الآمن واكتسيت بكسوة الآنس مع الله عز وجل .تبدأ الآن مرحلة جديدة ، تبدأ بحمد الله وأنت تتلذذ بتجديد وذكر ما ترى وما ظهر لك وتُبين في تلك الحالات من صفات عطاء الله ورحمته فتقول ( اَلْحَمْدُ للهِ مالِكِ الْمُلْكِ ) ..يتبع |
تابع الدرس الرابع ..التكامل في مدارج الحمد
الحمد لمالك الملك :
كل ما هو تحت عالم الملك مُلك لله عز وجل ، هذه الظواهر الموجودة في الكون التي أنعم بها الله على عباده من إجراء الفلك ومن البحار وتعاقب الليل والنهار وانفلاق الصبح ( فاِلقِ اَلاِْصْباحِ ) أي شاق الصبح من بعد الظلمة ( دَيّانِ الدّينِ، رَبِّ الْعَالَمينَ ) إما أن تكون بمعنى راسل الأنبياء ومشرع الشرائع السماوية أو تكون مُجري القوانين الإلهية الكونية لتعود الأشياء ليوم الجزاء ، الدين هو الجزاء وترتيب آثار عمل أهل الخير وأهل الشر على ما أقدموا عليه ( دَيّانِ الدّينِ رَبِّ الْعَالَمينَ، اَلْحَمْدُ للهِ عَلى حِلْمِهِ بَعْدَ عِلمِهِ، وَالْحَمْدُ للهِ عَلى عَفْوِهِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ، وَالْحَمْدُ للهِ عَلى طُولِ اَناتِهِ في غَضَبِهِ، وَهُوَ قادِرٌ عَلى ما يُريدُ ) حينما وهبنا الله عز وجل هذه النعم والخيرات وأرسل إلينا الرسل مبشرين ومنذرين وجاء الأنبياء بالحق وبلغنا سن الإدراك والمعرفة والرشد وعلمنا بأن الله يريد منا أعمالاً فيأمرنا ويحثنا عليها وينهانا عن أشياء ، حين ذاك اكتملت علينا أسباب الحجة الإلهية وليس لنا مبرر لعصيانه عز وجل في كل صغيرة أو كبيرة ولكننا أقدمنا على المعصية مرة بعد أخرى وقد قابل الله عز وجل معاصينا بحلمه وظهرت لنا آثار عنايته ورعايته بنا ، وتبينت لنا هذه المحبة الإلهية على شكل هذا الحلم . حب الله لنا كما ظهر لنا أولاً على صورة النعم والعطايا ظهر لنا أيضاً على صورة الحلم عن معاصينا ( اَلْحَمْدُ للهِ عَلى حِلْمِهِ بَعْدَ عِلمِهِ ) وهو يعلم ما صدر منا من ذنوب ( وَالْحَمْدُ للهِ عَلى عَفْوِهِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ ) فستر وغطى آثار ذنوبنا بقدرته ، بعد أن كان قادراً على أن يعاقبنا ( وَالْحَمْدُ للهِ عَلى طُولِ اَناتِهِ في غَضَبِهِ ) نحن نستحق لذنوبنا غضب الله ولكن آناته وتأجيله في إنزال العقوبة على عبده ربما يعود عن المعاصي ويتوب ( وَالْحَمْدُ للهِ عَلى طُولِ اَناتِهِ في غَضَبِهِ، وَهُوَ قادِرٌ عَلى ما يُريدُ، اَلْحَمْدُ للهِ خالِقِ الْخَلْقِ) كما ترون هذه الفقرات فبعضها تعود إلى ثناء الله في أصل نعمة الوجود وخلق هذا الخلق وإخراجهم من العدم ، وبعض فقراته تعود إلى إجراء هذا العالم في ديمومته واستقراره ومواصلة وجوده ، وبعض فقراته تعود إلى خصوص نعمه التي تحل بنا وكرمه الذي ينزل علينا ، ثم تعود مرة أخرى إلى حمد الله على أصل إيجاده لنا ( اَلْحَمْدُ للهِ خالِقِ الْخَلْقِ، باسِطِ الرِّزْقِ، فاِلقِ اَلاِْصْباحِ ) مرة أخرى تتكرر هذه الفقرة ( ذِي الْجَلالِ وَالاِْكْرامِ وَالْفَضْلِ وَالاِْنْعامِ ، الَّذي بَعُدَ فَلا يُرى، وَقَرُبَ فَشَهِدَ النَّجْوى) الله بعيد عن إحاطتنا ، بعيد عن إدراكنا لتمام قدرته وعظمته ، بعيد عن أن يقع تحت أبصارنا وأسماعنا المحدودة في قدراتها ؛ رغم هذا البعد الله سبحانه وتعالى فهو قريب منا برحمته وعنايته بنا ( الَّذي بَعُدَ فَلا يُرى، وَقَرُبَ فَشَهِدَ النَّجْوى تَبارَكَ وَتَعالى، اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لَيْسَ لَهُ مُنازِعٌ يُعادِلُهُ، وَلا شَبيهٌ يُشاكِلُهُ ) لا منازع ، ولا ظهير له سبحانه : ( الَّذي لَيْسَ لَهُ مُنازِعٌ يُعادِلُهُ ) مر شبيه بهذه الفقرة فيما مضى . المنازع أي الذي يتجاذب معه القدرة ، يعادله أي يكون كفء له وحاشى أن يكون لله عز وجل منازع ، كيف وكل هذه الموجودات إنما قدرتها منه وليس هناك له شبيه أو مثيل في هذا الخلق (وَلا ظَهيرٌ يُعاضِدُهُ ) الظهير مادة أصلها من الظهر أي من يستند إليه ، ليس في هذا الوجود ما يستند إليه الباري عز وجل ويعتضد به على إقامة الأمور ، نعم الله خلق من هذا الخلق كراماً وأولياء يكون لهم الواسطية في تنزل الخيرات لكن هذه الواسطية ليست شأناً من شؤونهم يملكونها ويستقلون بها عن الله فيعينوه بها ، بل الله أفاضها عليهم فهم مربوبون ومفتقرون إليه حتى في واسطيتهم في نزول الخيرات إلى الخلق (لَيْسَ لَهُ مُنازِعٌ يُعادِلُهُ، وَلا شَبيهٌ يُشاكِلُهُ، وَلا ظَهيرٌ يُعاضِدُهُ قَهَرَ بِعِزَّتِهِ الاَْعِزّاءَ، وَتَواضَعَ لِعَظَمَتِهِ الْعُظَماءُ، فَبَلَغَ بِقُدْرَتِهِ ما يَشاءُ) هذه المقاطع أيضاً مما منّ الله علينا في هذه الأيام الشريفة عن طريق محمد وآله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بتعليمنا إياها وتأديبنا بقراءتها . ومن الأمر الذي يستدعي منا الحسرة أن تمر علينا هذه الأيام والليالي الشريفة ونحن نردد هذه المحامد الإلهية ولكن لا ننظر إليها و إلى معانيها ، ولا نجعلها غاية نتعلمها ونزرع معانيها في قلوبنا . وإما نتخيل أن هذه الألفاظ وهذه المعاني هي مقدمات فقط من أجل أن تتحقق مطالبنا وغاياتنا ، نعم سوف نعرف أن مطالبنا وغاياتنا هي من مظاهر حب الله لنا ونعمه علينا . ومن كرم الله ورأفته أن عبيده المخلصين يطيبهم بالكرامات ويعزهم بالنعم ولكن الطريق إليها والوسيلة لها لا تتم ولا تتحقق إلا بالنظر والتعرف إلى الله عز وجل ، بل إن التعرف إلى الله هو الغاية الأسمى والطريق الأتم الذي يجب أن يتوجه إليه العباد المخلصين في هذه الليالي والأيام والساعات . والحمد لله رب العالمين |
شرح دعاء الإفتتاح.. الدرس الخامس : حمد المحب المتودد
��بسم الله الرحمن الرحيم �� ✨شرح دعاء الافتتاح ✨ في شهر رمضان 1422ه في الدمام يشرح فيها بعض معاني دعاء الافتتاحسلسلة دروس القاها سماحة الشيخ الفاضل ☄عبد المحسن النمر ☄ الدرس الخامس : حمدالمحب المتودد قمة النعم الإلهية : ( اَللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ) )هذا الدعاء نموذج رائع من نماذج العطايا الإلهية التي لا نجد لها مثيل أو شبيه إلا في مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) ؛ ومن الأمور المهمة أن نعلم أن عطايا ربنا عز وجل على عظمتها بعضها أكبر وأعظم من بعض ، بل أن بعض نعم الله علينا لا يمكن أن نقدر قدرها . ويمكن القول أن مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) وتعاليمهم وكل ما جاء به الأنبياء (عليهم السلام ) هي من النعم الإلهية ؛ لكن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام ) في التعرف إلى الله والسير والسلوك بما تمثله من أدعية أهل البيت (عليهم السلام ) وما أُثر عنهم في هذا المجال هي قمة النعم الإلهية . نحن الشيعة نعلم علماً قطعياً أنه في يوم القيامة هناك فرق بين من يأتي لله عز وجل بدين غير دين الإسلام ومن يأتي بدين الإسلام ، وأيضًا فرق بين من يأتي على مذهب أهل البيت ومن يأتي على غير مذهبهم (عليهم السلام ) ، أيضًا فرق بين من يعرف مقدار النعمة التي ورثها عنهم (عليهم السلام ) في هذه الأدعية وغيره . الصلاة التي تعلمناها من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نعمة لا شبيه لها والصيام كذلك ولكن الأدعية الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام ) هي قمة من قمم هذه النعم الإلهية. التهيئة والاستعداد لحمد الله : ( اَللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ ) ذكرنا في بداية الدروس أن المقطع الأول مقطع تهيئة للدخول في حمد الله عز وجل وأن العنصر الأساسي في هذا الدعاء هو حمد الله ، وأن الحامد سائل كما أن السائل حامد (اَللّـهُمَّ اِنّي اَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَاَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَّنِكَ، وَاَيْقَنْتُ اَنَّكَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرّاحِمينَ في مَوْضِعِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَاَشَدُّ الْمُعاقِبينَ في مَوْضِعِ النَّكالِ وَالنَّقِمَةِ، وَاَعْظَمُ الْمُتَجَبِّرِينَ في مَوْضِعِ الْكِبْرياءِ وَالْعَظَمَةِ) هذا المقطع يهيئ نفس الإنسان لكي يستعد لحمد الله عز وجل ، حيث أنك يا رب قمة الرحمة في موضع الرحمة ، و أشد المعاقبين في موضع العقاب ، وأعظم المتجبرين في موضع الكبرياء والعظمة ، فأنت المستحق للحمد ، أنا يا رب أتجرأ على حمدك لأنك يا رب أذنت لي ( اَللّـهُمَّ اَذِنْتَ لي في دُعائِكَ وَمَسْأَلَتِكَ ) فأنا يا رب أسألك وأتجرأ بدعائك والثناء عليك وحمدك لأنك يا رب السميع الذي آمله وأرجو أن تسمع مدحتي ، وأنت الرحيم الذي أرجو أن تجيب دعوتي وأنت الغفور الذي أرجو أن تقيل عثرتي . وذكرنا أن هذا المقطع ربما يتضح منه أن الداعي كالمعتذر والمستأذن للدخول إلى حمد الله عز وجل ، ثم (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً وَلا وَلَداً) هو الشروع في الحمد الصريح لله عز وجل بعد أن كانت الفقرات السابقة هيأت لحمد الله (لْحَمْدُ للهِ بِجَميعِ مَحامِدِهِ كُلِّهَا، عَلى جَميعِ نِعَمِهِ كُلِّها اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لا مُضادَّ لَهُ في مُلْكِهِ، وَلا مُنازِعَ لَهُ في اَمْرِهِ، اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لا شَريكَ لَهُ في خَلْقِهِ، وَلا شَبيهَ لَهُ في عَظَمَتِهِ، اَلْحَمْدُ للهِ الْفاشي في الْخَلْقِ اَمْرُهُ وَحَمْدُهُ، الظّاهِرِ بِالْكَرَمِ مَجْدُهُ، الْباسِطِ بِالْجُودِ يَدَهُ، الَّذي لا تَنْقُصُ خَزائِنُهُ، وَلا تَزيدُهُ كَثْرَةُ الْعَطاءِ إلاّ جُوداً وَكَرَماً، اِنَّهُ هُوَ الْعَزيزُ الْوَهّابُ) إلى هنا هذه الفقرة الخامسة من فقرات حمد الله عز وجل ، هنا يبدو أن الدعاء بعد أن ذكر هذا الجزء من حمد الله وبلغ مرحلة الإشارة إلى أن الله هو العزيز الوهاب . هنا يظهر ما كان مستبطنًا من السؤال ، ذكرنا أن الحمد يستبطن السؤال ، فالسؤال كان متضمنًا في الفقرات السابقة وفي هذه الفقرة يظهر الحمد بمناسبة ذكر أن الله هو العزيز الوهاب . الترقي في الدعاء : كيف يتحرك بنا السؤال في الدعاء (اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ قَليلاً مِنْ كَثير، مَعَ حاجَة بي اِلَيْهِ عَظيمَة وَغِناكَ عَنْهُ قَديمٌ، وَهُوَ عِنْدي كَثيرٌ، وَهُوَ عَلَيْكَ سَهْلٌ يَسيرٌ) المعاني واضحة ، أنا يا رب أسألك وأنت ذو الغنى المطلق لا ينقص من عطائك شيء ، اللهم إن ما جرأني على أن أسألك معرفتي من خلال ما مر بي في حياتي أنك عفوت عن ذنبي ( اَللّـهُمَّ اِنَّ عَفْوَكَ عَنْ ذَنْبي، وَتَجاوُزَكَ عَنْ خَطيـئَتي، وَصَفْحَكَ عَنْ ظُلْمي وَسِتْرَكَ عَنْ قَبيحِ عَمَلي، وَحِلْمَكَ عَنْ كَثيرِ جُرْمي، عِنْدَ ما كانَ مِنْ خَطئي وَعَمْدي ) طبعاً الذنب والخطيئة والظلم وقبيح العمل كلها إشارة إلى معاني ومواقف يستشعر فيها السائل مقدار تقصيراته تجاه الله ؛ على مختلف أنواع تلك التقصيرات . وقوله ( عليه السلام ) في الدعاء ( عِنْدَ ما كانَ مِنْ خَطئي ) أي عندما كان من تصرفي الغير مقصود الذي لم أكن ملتفتاً إليه لكن نتيجةً لغفلتي وعمدي هي أخطائي التي أنا ملتفت لها ( اَطْمَعَني في اَنْ اَسْأَلَكَ ما لا اَسْتَوْجِبُهُ مِنْكَ، الَّذي رَزَقْتَني مِنْ رَحْمَتِكَ ) هذا الذي أسألك أولاً هو أمر أنا لا أستوجبه ولا أستحقه و إنما هو كرم منك ابتداءً وبدون استحقاق ( الَّذي رَزَقْتَني مِنْ رَحْمَتِكَ ) أي نوع عطاء من رزقك ورحمتك ( وَاَرَيْتَني مَنْ قُدْرَتِكَ، وَعَرَّفْتَني مِنْ اِجابَتِكَ، فَصِرْتُ اَدْعُوكَ آمِناً، وَاَسْاَلُكَ مُسْتَأنِساً ) الدعاء والسؤال من الله في بادئ الأمر يكون المحرك والداعي له هو إجابة رغبات الإنسان الداخلية التي يحتاج إليها من قضاء شؤونه وحوائجه وما يحيط به من نقائص يريد رفعها عن طريق الدعاء ، لكن هذا الدعاء يهيئ نفوسنا لتقبل حالات هي ليست مجرد رفع تلك النقائص ، بل إن الدعاء يأخذ بنا درجة بعد درجة !! بداية الداعي فالحامد سائل ، ولنتعرف على حامد آخر يكون منطلقه شيء آخر ليس فقط مجرد السؤال ، الحامد حينما تكون نظرته إلى قضاء حاجته يحمد الله لأن الله بهذا الحمد وبظهور وتجلي هذه الصفة الإلهية من الكرم مثلاً يكون الإنسان محلاً لكرم الله ، و حينما تتحقق في نفس الإنسان صفة المغيث يكون محلاً لغوث الله عز وجل ، لكن ليس هذا هو الأثر والمعنى الوحيد للحمد بل هناك حالات أخرى ليست هي فقط السؤال ، هناك حمد الآمن (فَصِرْتُ اَدْعُوكَ آمِناً) ؛ في بداية حمد الحامد حينما يكون نظره إلى غايته ورفع حاجته في تلك الحالات يكون تعرفه إلى الله وطلبه لقضاء حاجته . الترقي من السائل إلى الآمن المستأنس المتودد : ثبات الحمد في نفس الإنسان الحامد يحول العلاقة بينه وبين الله من الإنسان الناظر إلى حاجته إلى الإنسان الناظر إلى الله عز وجل ، وبهذا تتحول العلاقة من علاقة الطالب والسائل إلى علاقة الآمن الذي يشعر بالأمن في ضيافة الله ، الأمن مع الله ، ثم تنتقل إلى مرحلة أخرى ليس فقط الآمن مع الله وإنما هي مرحلة الآنس مع الله ( فَصِرْتُ اَدْعُوكَ آمِناً، وَاَسْاَلُكَ مُسْتَأنِساً، لا خائِفاً وَلا وَجِلاً ) وهذه الفقرة تأكيد للأمن ، ثم ينتقل إلى مرحلة ثالثة فالسائل ليس فقط آمن وليس فقط آنس بالله عز وجل وإنما السائل مُدلاً على الله (مُدِلاًّ عَلَيْكَ فيـما قَصَدْتُ فيهِ اِلَيْكَ) المدل هو الذي يشعر بأن هذا الذي يتوجه إليه يرعاه وينظر لحاله ؛ إن ما يكتنف الإنسان من عطاء الله ورحمته في مرحلة الأمن ثم في مرحلة الأنس يجعله يشعر بما يشبه الدلال الذي يكون بين الحبيب وحبيبه ، حيث يتكل على عطاء الله ويثق فيه لدرجة يكون كأنه دالًا على الله ؛ الدال هو الذي حين يطلب تكون لديه ثقة وأنس وانشراح بأن الله عز وجل رافع وقاضي لحاجته ؛ كأنها مقضية بسبب الشعور الذي يعيش في قلبه ( وَاَسْاَلُكَ مُسْتَأنِساً، لا خائِفاً وَلا وَجِلاً، مُدِلاًّ عَلَيْكَ فيـما قَصَدْتُ فيهِ اِلَيْكَ، فَاِنْ اَبْطأَ عَنّي عَتَبْتُ بِجَهْلي عَلَيْكَ، وَلَعَلَّ الَّذي اَبْطأَ عَنّي هُوَ خَيْرٌ لي لِعِلْمِكَ بِعاقِبَةِ الاُْمُورِ، فَلَمْ اَرَ مَوْلاً كَريماً اَصْبَرَ عَلى عَبْد لَئيم مِنْكَ عَلَيَّ يا رَبِّ، اِنَّكَ تَدْعُوني فَاُوَلّي عَنْكَ، وَتَتَحَبَّبُ اِلَيَّ فَاَتَبَغَّضُ اِلَيْكَ، وَتَتَوَدَّدُ اِلَىَّ فَلا اَقْبَلُ مِنْكَ، كَاَنَّ لِيَ التَّطَوُّلَ عَلَيْكَ )هذه الفقرات وإن كانت تشير إلى تقصير الإنسان لكنها في الوقت ذاته تهيء نفس الداعي إلى حالة من الحب لله عز وجل ، لأن تكرار حمد الله وظهور جمال الله ينشئ في نفس الإنسان تهيؤ لكي يكون محباً ، فكأن الدعاء يقول أيها الداعي من اللازم عليك أن تكون الآن محبا لله عز وجل ألا ترى أن الله يحبك ، أيها الداعي عليك أن تكون متوددا إلى الله ، ألا ترى أن الله يتودد إليك !! ( وَتَتَوَدَّدُ اِلَىَّ فَلا اَقْبَلُ مِنْكَ، كَاَنَّ لِيَ التَّطَوُّلَ عَلَيْكَ، فَلَمْ يَمْنَعْكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ لي، وَالاِْحْسانِ اِلَىَّ، وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ ) هذه فقرة جديدة من فقرات الحمد ، فالحمد حينما يكون صادرًا بدون استحقاق في الحامد فإنه جمال ورحمة وفيض ، وحينما يكون صادراً ومظاهر الجمال متوفرة فيه حتى بعد ظهور النقص والتقصير من طرف العبد يكون له معنى آخر ، وجمال آخر ، وكرم آخر ، فكرم الله الابتدائي يضاف له كرم آخر حينما لم نقابل كرم الله بالجلوس تحت ظل ذلك الكرم ، حينما لا نرد على ذلك التودد بالتودد !! هنا يأتينا كرم العطف والحنان والرعاية لحالنا . ثم يقول ( عليه السلام ) : ( فَارْحَمْ عَبْدَكَ الْجاهِلَ وَجُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ اِحْسانِكَ اِنَّكَ جَوادٌ كَريمٌ ) نتوقف هنا قليلاً لنشير إلى أنه بدأنا بالحمد في حال السؤال و لم نتوقف عند مرحلة طلب الحاجة . بداية الدعاء كان يُستغل في نفس الداعي جانب قضاء الحوائج لكن مرحلة بعد مرحلة أصبح هذا الدعاء يُحفز نفوسنا للالتفات إلى الله والتعلق به ، فبدأنا بحمد السائل ، ثم أصبحنا نحمد حمد الآمن ، ثم حمد المستأنس ، ثم أصبحنا - إن شاء الله - نحمد حمد المحب المتودد . حين ذلك ننطلق إلى مرحلة أخرى من حمد الله عز وجل . فقد بدأنا بالحمد في أول الفقرات وربما نظرنا إلى قضاء حوائجنا لكن بعد ذلك نأخذ في حمد الله ونحن نرى في الله عز وجل المُؤمن الذي يؤمننا ، الجميل الذي يؤنسنا ، المحب الذي يحبنا ، المتودد الذي يتودد إلينا ...يتبع |
تابع الدرس الخامس ..حمد المحب المتودد
أكمل حالات السؤال :
بعد ذلك يكون السؤال بلهجة أخرى ، بعد أن استشعرنا هذه العلاقة مع الله فإننا الآن نسأله لكن ليس سؤال من يريد قضاء حاجته في الرزق أو قضاء حاجته في شؤون الحياة والمعيشة بل ولا حتى شؤون الآخرة ، بل بعد أن تعرفنا على الله عز وجل يصبح سؤالنا الآن سؤال من يريد أن يحقق تلك النقائص التي تظهر في علاقتنا مع الله ، أليس الله مُتحبب إلينا ونحن لا نتحبب إليه ؟!؟ أليس الله متودد إلينا ونحن لا نتودد منه ؟!؟ الآن يفترض أن نسأل الله الكمال في العلاقة معه سبحانه ؛ نحن نقرأ في أدعية شهر رمضان دعاء السحر المعروف بدعاء البهاء المنقول عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) وهذا الدعاء كله سؤال ، فأول فقرة فيه (اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ مِنْ بَهائِكَ بِاَبْهاهُ وَكُلُّ بَهائِكَ بَهِىٌّ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ بِبَهائِكَ كُلِّهِ) ويذكر فيه صفات الكمال والجمال الربانية التي لا نجد لها مصدراً إلا على لسان محمد الباقر والعترة ( عليهم السلام ) هذا النوع من الثناء يعلمنا ويغرس في نفوسنا أن هناك سؤالا حينما تسأل الله (اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ مِنْ بَهائِكَ بِاَبْهاهُ وَكُلُّ بَهائِكَ بَهِىٌّ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ بِبَهائِكَ كُلِّهِ) يفترض أن تعرف ماذا تسأل وبماذا ، حينما تسأل الله بكل مجامع صفاته وجماله وجلاله حينها يجب أن تكون حالك حال من يريد أن يكون أهلا لهذه الصفات ، أهلاً لأن يكون من أهل التعرف على الله بهذه الصفات ، سؤالنا لله لا يجب أن يقتصر فقط على مجرد قضاء الحوائج . ولهذا نجد في دعاء الافتتاح أن هذه الفقرات في بداية الحمد ربما يُفهم منها قضاء الحاجات لكن في تطور مراحل ذلك الدعاء يظهر لنا بأن الإمام ( عليه السلام ) يعلمنا بأن نلتفت إلى أن تتحقق علاقتنا مع الله عز وجل وبأن يكون محط سؤالنا وغايتنا وقرة أعيننا وأكمل حالات سؤالنا أن نكون أهلاً للارتباط بالله عز وجل ، حين نطلب من الله المال والجاه والصحة والعافية والذرية الصالحة ، هذا كله صحيح ولكن حينما نطلب أن نكون من أهل الله ومن أهل التقرب الذين تتجلى في نفوسهم صفات الله ، فكل تلك الأمور تصبح متيسرة وموجودة تحت يد الإنسان . ولزيادة التوضيح حول هذه النقطة وحول ما يسوقنا له دعاء الافتتاح نستمع إلى دعاء علي ( عليه السلام ) في المناجاة الشعبانية ( ِالـهي وَاَلْهِمْني وَلَهاً بِذِكْرِكَ اِلى ذِكْرِكَ ) نحن نحتاج أن نسأل الله عز وجل بأن نذكره ونطلب منه ليس المال والصحة وتحقيق الشؤون فقط ؛ بل أن أهم وأجمل ما نطلبه وأكمله هو أن يُعلمنا ذكره ، التعرف عليه و الالتفات إلى مقام عظمته وجلاله وجماله وكبريائه . أمير المؤمنين عليه السلام والسائل عن الله: سُئل الأمير ( عليه السلام ) هل عرفت الله ؟ هل رأيت الله عز وجل ؟ قال ( عليه السلام ) : وكيف أعبد رباً لم أره يا ذعلب إن ربي لطيف ولا يوصف باللطف ، عظيم العظمة لا يوصف بالعِظم ، كبير الكبرياء لا يوصف بالكِبر ...... ) ثم يأخذ في تعداد صفات الله عز وجل ثم ينشئ أبياتاً : ولم يزل سيدي بالحمد موصوفاً ولم يزل سيدي بالجود معروفـــاً وكان إذ لي نور يستضاء بــه ولا ظلام على الآفاق معكوفـــاً فربنا بخلاف الخـــلق كلهم وكــل ما كان في الأوهام موضعاً الأمير ( عليه السلام ) يصف الله عز وجل بالجمال والجلال الذي يليق به عز وجل ثم بعد ذلك كمن يغفل عن الالتفات إلى حال السائل وحال المتحدث إليه ويصبح حديثه وذكره مع الله عز وجل . نسأل الله بحق المصطفى وآله الكرام أن يجعلنا ممن يحبه ويتودد إليه في هذه الليالي والساعات. والحمد لله رب العالمين |
شرح دعاء الإفتتاح..الدرس السادس : الغاية من الحمد
��بسم الله الرحمن الرحيم �� ✨شرح دعاء الافتتاح ✨ سلسلة دروس القاها سماحة الشيخ الفاضل ☄عبد المحسن النمر ☄ في شهر رمضان 1422ه في الدمام يشرح فيها بعض معاني دعاء الافتتاح الدرس السادس : الغاية من الحمد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والصلاة على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيراً. (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي يُجيبُني حينَ اُناديهِ، وَيَسْتُرُ عَلَيَّ كُلَّ عَورَة وَاَنَا اَعْصيهِ، وَيُعَظِّمُ الْنِّعْمَةَ عَلَىَّ فَلا اُجازيهِ ) تلخيص ما مضى : حاولنا في الدروس الماضية أن نشير إلى أن الحمد هو أصل الدعاء ، والدعاء هو أصل العبادة والعبادة هي أصل الخلق وغايته ، والغاية من العبادة وكمالها الدعاء ، والغاية من الدعاء وكماله الحمد . وتلخيص هاتين النقطتين وعلاقة الدعاء بالحمد نستفيده من الروايتين اللتين نُقلتا عن الإمام الباقر والإمام الصادق ( عليهما السلام ) : الرواية الأولى : ( إنما هي المحمدة ثم الدعاء ثم الإعتراف ثم المسألة ) بمعنى أنه لا يتحقق الإقرار بالذنب ، والدعاء ، والمسألة إلا بحمد الله عز وجل . الرواية الثانية : ( إن من شُغل بحمد الله عن المسألة أعطيته أفضل مما أعطي .... ) أي أن حمد الله لا يُستغنى عنه ويُستغنى به ، لا يتحقق دعاء الله وسؤاله إلا بحمده ، أي يتحقق الدعاء بالحمد دون غيره . إذا جمعنا هاتين الروايتين نصل إلى نتيجة علاقة الحمد بالدعاء. فيتلخص : المرحلة الأولى حددت لنا أن الحامد سائل لله عز وجل . في المرحلة الثانية حاولنا أن نتحدث أن الحامد لله والمثني عليه بأنواع الثناء عارفاً لله - أي في طريق تحقيق المعرفة بالله- ، لا بأس أن نتوقف عند هذه النقطة لنرسخ معنى العلاقة بين حمد الله وبين معرفته . المسألة الأولى : الغاية الحقيقية للدعاء هي الوصول لمعرفة الله : هذه النقطة أشرنا إليها سابقا وهي أن معرفة الله هي المقصودة بالذات وأن العبادة والطاعة والأعمال الصالحة مقصودة من أجل معرفة الله ؛ اليوم نريد أن نوضح بصورة أكثر تفصيلاً كيف نتعرف على الله ؟ إذا كانت معرفة الله هي أسمى مقاصد هذا الوجود ، بمعنى أننا في سنتنا يسجل لنا صيام وصلاة على قلة حالنا وضعف أعمالنا فكرم الله يشمل حتى هذا المقدار من آمالنا عبادتنا ، تقرباتنا ، طاعاتنا ، سعينا ، وعملنا الصالح الذي قمنا به في السنة الماضية بل وسائر السنوات الماضية . خلاصته ومضمونه أن المحصلة التي بها تحقق القربى والكرامة عند الله عز وجل هي بمقدار ما رسخ في قلوبنا من معرفة الله ، إذا مضت ليالي هذا الشهر الشريف بل إذا مضت ليالي أعمارنا ونحن نقرأ الأدعية ونختم القرآن في كل شهر أو كل شهرين أو ... ونحن نتصور أننا نحقق الأجر والثواب والكرامة عند الله دون أن نتقدم خطوات في معرفته !! إننا بحاجة إلى إعادة تنظيم لتكوين معرفتنا بمعاني العبادة لله عز وجل !! فإذا كنا نقرأ الأدعية وكل نظرنا إلى أن قراءتنا مستحبة ويرتكز في ذهننا ما ورد من ثواب ؛ وأن من قرأ هذا الدعاء – مثلا- يدفع عنه البلاء ويفتح له أبواب الرزق ، وله في دعاء كذا قصر في الجنة !! وجعلنا غايتنا هو هذا ، ولم نلتفت إلى معاني وفقرات الدعاء ؛ فإنه علينا أن نتذكر الآية القرآنية (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) (سورة البقرة 186) إن شاء الله لا نكون ممن يفهم الآية ويعمل لأجل ( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (سورة البقرة 186 ) فقط ، وننسى (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (سورة البقرة 186). يقول السيد العلامة ملخصاً غاية الشرائع السماوية الإلهية وخاصة الشريعة الإسلامية أنها تهدف في جميع أمورها وكلياتها لتوجيه الإنسان إلى الله ، أي إجمالي الشرائع الإلهية وفي كل فقرات النسك والأدعية والصلوات فإن الغرض منها هو توجيه وجه الإنسان وصرفه إلى الله تعالى . هذه هي النقطة الأولى التي أردنا أن نعيد التأكيد عليها. المسألة الثانية : هل يمكن معرفة ذات الله سبحانه وتعالى ؟؟ كيف نتعرف على الله عز وجل ؟ لا شك أن معرفة الذات الإلهية التي هي مكنونة عن كل عين ومحصنة عن كل وهم مستحيلة بل غير ممكنة . الله ذاته المقدسة لا يمكن للمخلوقين من أولهم إلى آخرهم من أدناهم إلى أشرفهم أن يكون لهم نحو إحاطة بذات الله . الممكن لا يمكن أن يكون له إلى واجب الوجود طريق إحاطة ومعرفة (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) (سورة الأنعام 103) (وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) (سورة الأنعام 91 ) (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) (سورة طه 110). وقال الإمام الصادق ( ع ) (من نظر في الله كيف هو هلك ) الروايات عندنا كثيرة في هذا المجال مفادها أن ذات الله لا يحدها حد ولا يمكن للمخلوقين أن يحيطوا بها علما . المسألة الثالثة : سبيل معرفة الله : إذا كان لا يمكننا أن نحيط علماً بذاته ، وذاته أجل من أن تدركها أفكار المفكرين ، فما الطريق إلى معرفته سبحانه؟ الجواب : الطريق إلى معرفة الله هو التعرف عليه من خلال أسمائه وصفاته جل وعلا . حينما تتجلى ذات الله المقدسة للخلق , وتظهر قدرة الله وكرمه في مراتب هذا الوجود فإننا نتعرف على الله بهذه الأسماء والصفات والكلمات والمعاني التي في أذهاننا ونشير بها إلى أسمائه وصفاته والتي هي مشيرة إلى ذاته . مسالك معرفة الله : المسلك الأول الذي يذهب إليه الأغلب الأعم من أتباع الديانة الإسلامية أو يذهب إليه طائفة كثيرة منهم وهي أن معرفة الله في الدنيا تقتصر على نسبة ما جاء من أسماء وصفات لله كما جاءت وذلك بالتسليم بما ورد في كتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ). مثلا ورد في القرآن أن الله سميع فنقول إن الله سميع ، وورد أن الله بصير فنقول إن الله بصير , وهكذا كل صفة ينسبها الله لنفسه في كتابه أو وردت في الأحاديث الصحيحة على لسان رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم ) نقر ونعترف بها ، وأما إدراك حقيقتها فهذا ليس من شؤوننا . الدين إذن هو تطبيق هذه العبادات وإتباع الأوامر واجتناب النواهي التي جاءت كتعاليم من الله ، نعم في الآخرة سوف نرى الله كما نرى البدر في ليلة التمام ، أما في الدنيا فنحن نحفظ ونقر بما جاء من الصفات والأسماء في كتاب الله ولا نشغل أنفسنا بالنظر فيها ولا في أنها تجوز أو لا تجوز أو صحيحة أو غير صحيحة ، ورد بأن لله يد نقول أن لله يد ، ورد بأن يد الله فوق أيديهم فنقول أن لله يد ، ورد أنك بأعيننا فنقول إن لله عين . ما معاني هذه الأمور ؟ هذا ليس من شأننا ، الدين ليس له علاقة بأن نعرف هذه الأمور ، ننسبها ونقر بها لله كما وردت وفقط . هذا منهج معروف والأغلب الأعم من المسلمين يقرون به ، وهذا المذهب مذهب قطاع الطرق ، مذهب من يقيم الحواجز في التعرف على الله ، لو كان الأمر هكذا فما معنى كل هذه الآيات القرآنية التي يتكرر فيها مرة بعد أخرى صفات الله وأسمائه !! بحسب منهج أهل البيت ( عليهم السلام ) فإن هذا النموذج الفكري - كما ذكرت - نموذج لقطاع الطرق عن الله ، أي نحن نصلي لكن أهم ما في الصلاة أن نصطف في الصف الصحيح ونقرأ بشكل صحيح ، وترفع يديك ، وتضع يديك على صدرك بشكل صحيح !! هذه الصلاة تدور حول تطبيق الأفعال كما أمر بها الله ، بغض النظر أنهم اتبعوا التعاليم التي تدلهم على العمل ولو العمل الظاهري بشكل صحيح أو لا !! فإن هذا المنهج حتى لو سلكه أتباع أهل البيت ( عليهم السلام) فهذا المنهج باطل ، وسوف نثبت ذلك. المسلك الثاني : وهو المنهج العقلي والفلسفي الذي يبحث عن منطقية هذا الوجود وارتباط حقائق الموجودات ببعضها البعض ، منهج عقلي -ربما تعرضنا إليه سابقاً - يعتمد على الفكر وعلى البحوث النظرية والفكرية . المسلك الثالث : منهج أهل العرفان والتصوف وهؤلاء يحققون أن النفس الإنسانية لها القدرة على أن تتهيأ بالتصفية والتطهير من الانشغال عن غير الله لكي تكون مؤهلة للتعرف على الله ، ثم بعد الانشغال بالأذكار والتأملات والرياضات تتجلى للسالك في هذا المنهج بريق أمل تنزل صفات الله على قلب الإنسان. المسلك الرابع : وهو منهج جامع لكل أنحاء التعرف على الله ما عدا المنهج الأول لأن هذا المنهج يقطع الطريق إلى الله المسلك أو المنهج الصحيح : ... يتبع |
تابع الدرس السادس : الغاية من الحمد
المسلك أو المنهج الصحيح :
نحن إذا حاكمنا هذه المناهج السابقة منهج أهل الظاهر وهو الأول ، والمنهج العقلي الذي هو منهج الفلاسفة ومنهج التصفية وتطهير الروحي الذي هو منهج العرفان وأهل التصوف ، إذا حاكمناها وجدنا أن المنهج الأول يسلَّـم بعدم الوقوف على الطريق إلى معرفة الله ، أما المنهجين الآخرين فيمتاز كل منهما بمزايا ويتخلله أيضاً بعض النقائص . أما المنهج الرابع الذي نستفيده من تعاليم أهل البيت ( عليهم السلام ) هو منهج يجمع صفات ووسائل التعرف على الله عز وجل على نحو تتقبله العقول وتستمرئه القلوب. أدعية أهل البيت ( عليهم السلام ) تهيئ نفس الإنسان وعقله لمعرفة الله وتجلي أسمائه وصفاته ، ونحن وإن انشغلنا في الكثير من أدعيتنا ، وربما حتى لو لم نلتفت إلى أهمية التعرف على الله ، إلا أنه بصورة طبيعية وتلقائية حينما نقرأ هذه الأدعية نجد أنها تربط بين مطالبنا وحاجتنا ورغباتنا أيَّاً كانت وعلى كل مرتبة من مراتبها تربط بينها وبين صفة وتجلي لعظمةٍ إلهية. بعض الروايات التي تثبت أحقية المنهج الرابع : لنبدأ بقراءة ما ورد عندنا من روايات تيسر لقلوبنا وتفتح لعقولنا هذه الحقائق وهي أن غاية هذه الأدعية وهذه الليالي و الساعات هي أن نستغلها في السير لإدراك ومعرفة كمال الله عز وجل . 1- في المحاسن عن زرارة عن الإمام الصادق (علهم السلام ) في تفسير قوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى) (سورة الأعراف 173) قال (عليه السلام ) (كان ذلك معاينة الله ) بمعنى أن هذا الخطاب الإلهي (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) وكون هذه الشهادة على البشر أجمع من آدم إلى آخر الخلق بغض النظر عن استيعابنا عن الموقع وأين ومتى ؟! إلا أننا ندرك أن هناك حقيقة ثابتة في هذا الوجود نحن شاهدون عليها ، لا أنه أمر وقع لأبينا آدم ، لأن الخطاب لمن ؟؟ ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى) (سورة الأعراف 173)الخطاب للذرية ، لنا نحن (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) يقول الإمام (عليه السلام) (كان ذلك معاينة الله ) نحن وجودنا يقر ويعترف بشهادة حقيقية بمعرفة الله عز وجل . ثم يقول ( عليه السلام) ( فأنساهم المعاينة ) أي غفلوا ، نزولنا ووجودنا في هذه الدنيا وفي هذه المرتبة من الوجود يقتضي لإتمام باب الامتحان أن نكون محجوبين عن تلك المشاهدة ، لكن حجاب ماذا ؟ هل حجاب جهل أم حجاب عدم معرفة ؟ لا ، حجاب الانشغال والغفلة ولولا ذلك لم يعرف أحد خالقه ورازقه وهو قول الله (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) ( سورة الزخرف 87) نحن حينما نتصور أننا نقرأ هذه الأدعية لأجل أن نقضي هذه الحاجة أو تلك ، ونمر على هذه المقاطع التي تُذكر فيها صفات الله غافلين غير ملتفتين ، ونتصور أن هذه المعاني محجوبة عنا ، فإننا ننكر حقيقة شهدت بها أنفسنا وأقررنا بها ، والمقصود من هذا القرآن ومن هذه الأدعية هي تذكيرنا بهذه الحقيقة لرفع الغفلة من قلوبنا. 2- في حديث عن الصادق ( عليه السلام ) رواه الشيخ الصدوق في التوحيد عن أبي بصير ، قال قلت له أخبرني عن الله عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة ؟ - هذه المسألة أصبحت محطاً مشاراً للسؤال بسبب الروايات التي تذكر وتتداول في الثقافة العامة السنية بأنكم سوف ترون ربكم يوم القيامة - قال ( عليه السلام ) : نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة . أي ليس فقط في ذلك اليوم بل نحن رأينا الله عز وجل - فقلت متى ؟ قال ( عليه السلام ) : حينما قال لهم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى) ثم سكت ( عليه السلام ) ثم قال ( عليه السلام ): ( وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة ألست تراه في وقتك هذا ) هذا الحديث ذو أسرار وعجائب ، و أحد هذه العجائب أن أبا بصير أعمى والإمام ( عليه السلام ) يثبت حقيقة معرفة قطعية تامة لله عز وجل ، معرفة ليست هي فقط عن طريق الإثبات والبرهان العقلي ، وهذا النحو من المعرفة سيان فيه بين البصير وغير البصير ، لأن أبا بصير أعمى لا يرى (ألست ترى الله الآن ) . نحن لسنا فقط سوف نرى الله يوم القيامة بل نحن رأيناه قبل ذلك ثم قال ( عليه السلام ) ( إن المؤمنين ليرون الله في الدنيا ) ثم قال له ( أنت ترى الله ) هذا يدل على أنه هناك كشف تام حقيقي في داخل نفوسنا ، كما نعلم بوجود أنفسنا ونجزم بوجود هذا الكون من حولنا نحن نعلم بصورة يقينية أن الله معنا (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ) (سورة المجادلة 7) حينما نقرأ في الدعاء هذه الصفات لله عز وجل فإنما نتحدث عنها مشيرين بها إلى لله عز وجل. المقابلة بين النعم الإلهية وفعل العبد : (حَمْدُ للهِ الَّذي يُجيبُني حينَ اُناديهِ، وَيَسْتُرُ عَلَيَّ كُلَّ عَورَة وَاَنَا اَعْصيهِ، وَيُعَظِّمُ الْنِّعْمَةَ عَلَىَّ فَلا اُجازيهِ ، فَكَمْ مِنْ مَوْهِبَة هَنيئَة قَدْ اَعْطاني) يعود الإمام ( عليه السلام ) هنا إلى تكرار المقابلة بين نعم الله عليه وبين غفلته عن الله ، بين نعم الله علينا وغفلتنا عنه سبحانه ، لأن الكرم في تلك الحالة أعلى وأخص من الكرم الابتدائي ، الستر في تلك الحالة أخص من الستر الابتدائي والنعمة في تلك الحالة أعظم من النعم الابتدائية (وَيُعَظِّمُ الْنِّعْمَةَ عَلَىَّ فَلا اُجازيهِ، فَكَمْ مِنْ مَوْهِبَة هَنيئَة قَدْ اَعْطاني، وَعَظيمَة مَخُوفَة قَدْ كَفاني، وَبَهْجَة مُونِقَة قَدْ اَراني، فَاُثْني عَلَيْهِ حامِداً، وَاَذْكُرُهُ مُسَبِّحاً ) في عين ذكر هذا الدعاء بتقصير الداعي في بعض الفقرات فهو يقر أيضاً أنه حينما يرى هذه النعم الإلهية ويتحرك نحو تلك النعم فهذا نوع ثناء!! كلما ازددت معرفة بالله كلما ازددت معرفة بأن أمر الله أعظم من أن يدرك . (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لا يُهْتَكُ حِجابُهُ، وَلا يُغْلَقُ بابُهُ) مهما سعى الإنسان في معرفة الله ومهما عبده وأطاعه وأخلص في عبادته فانه لن يصل إلى معرفته التامة !! لأنه ليس هناك حد يصل فيه الإنسان أن يبلغ المرتبة النهائية التي ليس بعدها مرتبة في بلوغ الحاجات والأماني . وكلما بلغ الإنسان مرتبة كلما انكشف له أن أمر الله أعظم وأن جهله بالله أكبر . (وَلا يُغْلَقُ بابُهُ) أي أنه مهما بلغت بك مراتب نعم الله ورحمته ، فإن باب الله مفتوح لك إلى نعم أعلى فلا يغلق عليك بابه ، ولكنك لن تصل إلى حد تنال فيه كل رغبتك من الله عز وجل . الوجود بأسره خاضع لله : ( وَالْحَمْدُ للهِ قاِصمِ الجَّبارينَ، مُبيرِ الظّالِمينَ، مُدْرِكِ الْهارِبينَ، نَكالِ الظّالِمينَ صَريخِ الْمُسْتَصْرِخينَ، مَوْضِعِ حاجاتِ الطّالِبينَ، مُعْتَمَدِ الْمُؤْمِنينَ، اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي مِنْ خَشْيَتِهِ تَرْعَدُ السَّماءُ وَسُكّانُها، وَتَرْجُفُ الاَْرْضُ وَعُمّارُها، وَتَمُوجُ الْبِحارُ وَمَنْ يَسْبَحُ في غَمَراتِها) السماء بملائكتها ، بمن فيها من أصحاب الأمر والنهي بالأرواح التي تعالت إلى سماء الله كلها ترتعد فرائصها من خشية الله ، وسكان هذه الأرض صالحهم وطالحهم ، دابهم وماشيهم حتى من يتجبر ومن يظن أنه قد خرج عن أمر الله هو في واقعه يرتجف كما ترتجف الأرض من الله عز وجل ، ليس هناك أحد إلا و في قلبه خوف ورهبة !! المرؤوس يخاف من رئيسه والوزير يخاف من مليكه والملك يخاف من عدوه ، ومن لا يخاف من عدو يخاف الموت ، ومن يغفل ويتناسى هذا الأمر ، فإن هذا الأمر لا يغيب وإن هذه الحقيقة لا تندثر بمجرد إعراضنا عنها ، كل ما نخافه ونعتقد أنه بيد أحد فهو حقيقة بيد الله عز وجل ، هذا الذي نخافه حقيقة هو الله عز وجل !! الهداية الإلهية : ( الْحَمْدُ للهِ الَّذي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا اَنْ هَدانَا اللّهُ ) هدانا الله إلى التوحيد والإيمان بالنبوة والولاية والإيمان بكتبه وأنبياءه واليوم الآخر والبعث والنشور كل هذا هداية من الله ، ولكن ربما يظهر من هذه الفقرة أنها تريد أن تشير إلى ما تحقق في هذا الدعاء نفسه من هداية ، هذا التعرف على ما جاء من الجمل المدحية والثنائية على الله عز وجل وقراءتها باللسان وتحقيقها في القلب ، هذا مزيد هداية يستوجب منا أن نحمد ونثني على الله عز وجل (الْحَمْدُ للهِ الَّذي هَدانا لِهذا) ما في هذا الدعاء من ثناء على الله (وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ) لولا أن الله منّ علينا بمن يعرفنا هذه الحقائق . الحمد الختامي : (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي يَخْلُقُ، وَلَمْ يُخْلَقْ وَيَرْزُقُ، وَلا يُرْزَقُ وَيُطْعِمُ، وَلا يُطْعَمُ وَيُميتُ الاَْحياءَ وَيُحْيِي الْمَوْتى وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ) هذه حمد ختامي لمقاطع هذا الدعاء ، حمد بتوحيد الله وتوحيد غنائه عن خلقه ، حمد بتوحيد وجوبه وإمكان خلقه ، حمد بتوحيد غناه وفقر خلقه إليه ، حمد بتوحيد أن الله هو المعطي والمالك وأن المخلوقين كلهم محتاجون إليه . نحن نختتم هذه الفقرة بحمد الله عز وجل . والحمد لله رب العالمين. |
الدرس السابع :مظهر أسماء الله الحسنى
��بسم الله الرحمن الرحيم �� ✨شرح دعاء الافتتاح ✨ في شهر رمضان 1422ه في الدمام يشرح فيها بعض معاني دعاء الافتتاحسلسلة دروس القاها سماحة الشيخ الفاضل ☄عبد المحسن النمر ☄ الدرس السابع : مظهر أسماء الله الحسنى الحمد الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعن الله أعدائهم إلى قيام يوم الدين . ( اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وأمينك وصفيك وحبيبك وخيرتك من خلقك وحافظ سرك ومبلغ رسالاتك ) ارتباط الصلاة على الرسول (صلى الله عليه وآل وسلم ) بالحمد : بعد أن أخذ هذا الدعاء في حمد الله والثناء عليه سبحانه بأنواع وفنون المدائح الإلهية التي تفتح عقل الإنسان وقلبه وكيانه للتعرف على رب الأرباب ، خالق الوجود . بعد الثناء يشرع الدعاء في ذكر الصلاة على النبي المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) , ولا شك أن هذا المعنى الذي هو تعقب ذكر الله بجليل أسمائه وعظيم تجلياته بالصلاة على النبي وآله عليهم الصلاة والسلام ركيزة عقائدية ، وليس الأمر صدفة ، ولا من باب الارتباط بين أمر وأمر آخر ؛ ومكن أن نركز فكرنا ونظرنا إلى هاتين الناحيتين : الأولى : حمد الله وذكر أسمائه وصفاته . الثانية : ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) والدعاء له والصلاة عليه . باعتبار أن هذين الأمرين هما حقيقة وظاهرها ، فحينما يبلغ الداعي مبالغ الارتباط بالله عز وجل متنقلاً بين حالات التعرف على الله عز وجل ، مرتقيا إلى درجة أسمى وأعلى ، لا بد أن يدرك أن تجلي هذه الرحمات الإلهية وتنزل هذه البركات إلى عالم الوجود ليس أمراً عشوائياً غير مرتبط بأسبابه !! بل إن منازل رحمة الله وظهور سره ، ومظهر تجلي الذات الإلهية في هذا الوجود ، إنما كان عبر الخلافة المحمدية والولاية العلوية لهما ولآلهما الطاهرين ( عليه السلام ) . آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) مظهر تجلي الله عز وجل : الراوية عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) انه قال: ( إذا نزلت بكم شديدة فاستعينوا بنا على الله عز وجل وهو قوله عز وجل (وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف 186 ) الإمام الرضا ( عليه السلام ) يوضح لنا في هذه الرواية أن الآية الشريفة التي جعلت الوسيلة إلى الله والتوسل والتقرب إليه هي أسماءه الحسنى ، أي بظهور معاني أسمائه الحسنى على قلوبنا وعلى حقائقنا هي بعينها أهل البيت عليهم السلام . الإمام (عليه السلام ) لا يقول ادعوا الله بأسمائه الحسنى وادعوه بنا !؟! بل يقول ( عليه السلام ) ليس هناك انفصال , الإمام (عليه السلام ) يقول هم عليهم السلام الأسماء الحسنى . طبعا هذه المسألة تقتضي نظراً دقيقاً في فهمها ، لكن ما يعيننا على ذلك وجود روايات صحيحة تدل على هذا المعنى ؛ قد لا نتمكن من الإدراك الفلسفي والإدراك الحقيقي لهذا المعنى لكننا نعلم بتعاليمهم (عليهم السلام) كما في الروايات ( نحن أسماء الله الحسنى ) ، الكرم والرحمة والجلال هي معاني تظهر على قلب الإنسان مشيرة إلى أسماء الله عز وجل ، هذه الحقائق المعنوية هي بعينها أشخاصهم (عليهم السلام) ، الكرم والرحمة والحنان والعطف والجود هم محمد وآله (صلى الله عليه وآله) ومن هذه الحقائق وهذه التعينات الإلهية فيهم (عليهم السلام) أُنبث الكرم والجود والرحمة والعطاء والجلال والسلطان في هذا الوجود . مر في حديث سابق أن الكرم في هذا الوجود واحد ، فليس هناك كرمان وليس هناك رحمتان ولا جودان في هذا الوجود ؛ الكرم هو كرم الله ، تتعدد أشكاله ، الرحمة هي رحمة الله عز وجل ولكن تتعدد منازلها ، هذه الرحمة بأسرها وهذا الكرم بمجموعه وهذه الجلالات والكمالات على مختلف مظاهرها مجمعها هو محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم ) . فالسبيل إلى ظهور ذات الله المقدسة المكنونة هم محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم ) ، مرآة هذا الكمال الإلهي المكنون ، بل تحققه في الأصل هم محمد وآله (صلى الله عليه وآله) . إذا عدنا إلى آثار الحمد ، إن الحامد يحقق بثناء الله عز وجل وحمده والتعرف على صفات كمال الله حالات يترقى في مراتبها . يبدأ أولا سائلاً ثم آمناً ثم آنساً ثم مدلاً ثم متودداً ثم متحبباً ، هذه آثار لكل صفة من صفات الله تتنزل على قلب الإنسان أثناء ذكره لهذه الصفات ، هذه الآثار بمراتبها ليس هناك وسيلة لظهورها إلا بفيض الصلاة على محمد وآل محمد ، إلا بتحقيق هذه الصفات أولاً على محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم ) . ولهذا بموازاة ذكر صفات الله وأسمائه وجلاله تـتــنزل هذه الرحمات على اختلافها بالصلاة على محمد وآله ، وقد أختص هذا المقطع من الدعاء - دعاء الافتتاح- بكيفية معينة في الصلاة على محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم ) . الصلاة على آل رسول الله ( صلى الله وعليه وآله وسلم) يعرفنا بحقائق مقاماتهم : قبل أن نشير إلى خصائص الكيفية التي ظهرت بها الصلاة على محمد وآله في هذا الدعاء لا بأس بأن نقرأ رواية ، هذه الراوية يستفاد منها أن الدعاء بالصلاة على محمد وآله ليس شأناً مجرداً بمعنى أننا نجعل الصلاة على محمد وآله جزء مهيئاً ، جزءً مُعداً لطلب حوائجنا . في بداية الأدعية عادة يستحب أن نصلي على محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لا يتحقق ولا يرتفع الدعاء ولا يستجاب إلا بالصلاة على محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لكن فيما يظهر من بعض الروايات أن الصلاة على النبي محمد وآله (صلى الله عليه وآله) ليست فقط مجرد الدعاء بنزول الصلاة على محمد وآله بل هي تعليم أيضاً لنا بحقائق مقاماتهم (صلى الله عليه وآله وسلم ) . في الرواية أن الإمام (عليه السلام ) قال لبعض أصحابه ( كيف تصلون على محمد وآله ؟ فقال نقول : اللهم صل على محمد وآل محمد ، فقال الإمام (عليه السلام ) : كأنكم تأمرون الله !! ) أي أنت إذا أردت حاجة وشغلك أمر أهمك فإنك تتوجه إلى الله عز وجل بكيانك وتثني على الله عز وجل حتى تبلغ إلى درجة التهيؤ الروحي والمعنوي لكي تطلب حاجتك . صحيح نحن عندما يشغلنا شاغل عظيم من الأمور فإننا نقبل على الله عز وجل ونقول يا رب ، علمنا بأن هذا الأسلوب أسلوب الجهال ، يا رب أعطنا ، يا رب يا رب ، لا ، نحن نقدم بين يدي الله عز وجل تهيئة روحية واستعداداً ، وصفاءً نفسياً حتى يخشع قلب السائل وتتهيأ نفسه للدعاء ، نثني على الله عز وجل بما يجعل سؤالنا خالصاً صادقاً لله . إذا أثنيت على الله أبلغ الثناء ورقت نفسك وتوجهت أحاسيسك حين ذاك صلي على محمد وآل محمد . الرواية عن عبد الله ابن سنان قال كنا عند الإمام الصادق (عليه السلام) فقال لنا ابتداءً (كيف تصلون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ فقلنا نقول : اللهم صل على محمد وآل محمد ، فقال (عليه السلام )) : كأنكم تأمرون الله عز وجل أن يصلي عليهم !! ) أي ليس هذا هو أسلوب الدعاء ، طبعاً لا بد أن نلتفت إلى أن الإمام(عليه السلام ) يأخذ بأيدي هؤلاء الخلص من أصحابه إلى درجات أعلى لأن الصلاة على النبي وآله لها عدة أشكال في تكرارها وذكرها في كل حال من المستحبات لكن الإمام (عليه السلام ) يسوقنا إلى هذا المعنى ( فقلنا : كيف نقول ؟ قال الإمام (عليه السلام ) : تقولون اللهم سالك المسلوكات وداحي المدحوات وخالق الأرض والسماوات ....) ، وبعد الثناء على الله عز وجل بما يليق بجلاله سبحانه ؛ إلى أن يقول (عليه السلام ) ( أخذت علينا عهداً واعترفنا بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) وأقررنا بولاية علي (عليه السلام ) . . فأزلِفنا بتحيتك وسلامك وأمنن علينا بأجر كريم من رحمتك وأخصصنا من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) بأفضل صلواتك وصلي عليهم إن صلاتك سكن لهم... ) وفي رواية أخرى عن زياد ابن مروان عن حريث وهو من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام ) المقربين ومن أهل الفقه والعلم وله كتب في تعاليم أهل البيت (عليهم السلام ) ، قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك كيف الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال (عليه السلام ) قل : ( اللهم صل على محمد وأهل بيته الذين أذهب عنهم الله الرجس وطهرهم تطهيراً . فقال قلت : اللهم صل على محمد وأهل بيته . فقال لي (عليه السلام ) ليس هكذا قل مثلما أقول ثم قال (عليه السلام ) : ( اللهم صل على محمد وأهل بيته الذين أذهب عنهم الله الرجس وطهرهم تطهيراً ، اللهم صل على محمد وأهل بيته الذين ألهمتهم علمك وأستحفظتهم كتابك وأسترعيتهم عبادك. ) المقصود أن نلتفت إلى أن هذه الروايات تبين لنا أن الصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه وآله ) بحر علم ومعرفة وطريق تعرف على مقامهم صلوات الله عليهم أجمعين . ..يتبع |
تابع الدرس السابع : مظهر الأسماء الحسنى
الدين هو معرفة آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) :
الصلاة من الدين ، الزكاة من الدين ، الحج من الدين ، لكن معرفتهم عليهم السلام هي الدين !! وليس جزء من الطريق إلى الله عز وجل ، بل هم عليهم السلام الطريق إليه سبحانه والمسلك إلى رضوانه . نحن نعلم أننا بصلاتنا على المصطفى وآله (صلى الله عليه وآله وسلم ) لن نزيد في علو شأنهم وقربهم إلى الله عز وجل ، وإنما يمتد بحر فيض جلالهم ورحمتهم (صلى الله عليه وآله وسلم) في وجودنا ، إذا نحن أخلصنا في محبتهم وفي الصلاة عليهم فلن نزيد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) جلالاً ولا علواً ولا رفعةً ، كيف ؟ فليس لدينا شيء إلا منهم ، أيمكن أن تأخذ من البحر شيء ثم تلقي ما أخذت من البحر في البحر، فتقول أنا أزيد في البحر سعةً ؟! ، هذا لا يمكن ، لكن صلاتنا عليهم (صلى الله عليه وآله وسلم) وارتباطنا بهم هو امتداد ظهور رحمتهم في هذا الوجود ، هو امتداد ظهور خيرهم في هذا الوجود ، هو امتداد ظهور شفاعتهم وكرم وجودهم في هذا الوجود ، بهذا المقدار نحن نسر محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة عليهم . شأن البحر أن يفيض ؛ شأن الماء أن ينظف الصدأ ، شأن الخير أن ينشر في هذا الوجود ، نحن إذا تقبلنا معني الارتباط بهم ونزلناه في قلوبنا إنما نهيئ أنفسنا لنكون أرضية ليظهر صاحب الشأن في محله ، لتظهر الرحمة في منزلها ، ليظهر الخير في أودية الخير . إذا نحن صلينا على محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) ارتبطت أرواحنا ووجودنا بأرواحهم ( عليهم السلام ) . القرآن يصف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ) ( التوبه 128) آيات تقول من أنفسكم ، آيات تقول منهم(وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ ) ( البقرة 129 ) بمعنى أن لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفوسنا وقلوبنا ووجودنا وأرواحنا ظهور وتجلي ، وإن ما في أيدينا من الخير هو تجلي من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ما عندنا من خشوع ، من طاعة ، إنما هو امتداد لمقام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونحن ندخل السرور على قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله إذا تقلبنا هذه المعاني في أنفسنا وأظهرناها ألفاظاً نرددها بالدعاء لهم (صلى الله عليه وآله وسلم ) والثناء عليهم (صلى الله عليه وآله وسلم). الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعاء الافتتاح : ما أجمل هذه الألفاظ وما أجمل هذه الكلمات وما أثمرها وأكثر بركتها (اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَاَمينِكَ، وَصَفِيِّكَ، وَحَبيبِكَ، وَخِيَرَتِكَ مَنْ خَلْقِكَ، وَحافِظِ سِرِّكَ، وَمُبَلِّغِ رِسالاتِكَ،) هذه الصفات - إن شاء الله - نحفظها وترتكز في قلوبنا ، هذه المعاني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثم كيف هي الصلاة التي ندعو لظهورها لرسول الله ؟؟ كيف هي الصلاة التي نسأل الله عز وجل أن يكون امتدادها في وجودنا ؟؟ عشر خصال لهذه الصلاة (اَفْضَلَ وَاَحْسَنَ، وَاَجْمَلَ وَاَكْمَلَ، وَاَزْكى وَاَنْمى، وَاَطْيَبَ وَاَطْهَرَ، وَاَسْنى وَاَكْثَرَ ما صَلَّيْتَ وَبارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ، وَتَحَنَّنْتَ وَسَلَّمْتَ عَلى اَحَد مِن عِبادِكَ وَاَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ، وَصِفْوَتِكَ وَاَهْلِ الْكَرامَةِ عَلَيْكَ مِن خَلْقِكَ) وخمس مقامات (عباد الله ، أنبياء الله ،رسل الله ،صفوة الله وأهل الكرامة عليه من خلقه ) هؤلاء نالوا من الله منذ خلق الله هذا الخلق إلى أن يبعث الله العباد وتقوم الساعة تنزل إلى هؤلاء أنواع متعددة من العطايا الإلهية على هذا الأصناف اكمل أصناف البشر ، هؤلاء الخمسة تنزل عليهم أنواع من الإفاضات الإلهية (الصلاة، البركة، الرحمة ، التحنن ، التسليم ) خمس مقامات . هناك من البشر نال صلاة وبعضهم نال بركات وبعضهم نال رحمات ، كل هؤلاء الخمسة عباد الله ، أنبياء الله ،رسل الله ،صفوة الله وأهل الكرامة عليه من خلقه ) نال كل منهم أحد هذه الخمسة المقامات ، فأصبحت 25 صفة وهذه ال25 متصفة بـ 10 صفات (اَفْضَلَ وَاَحْسَنَ، وَاَجْمَلَ وَاَكْمَلَ، وَاَزْكى وَاَنْمى، وَاَطْيَبَ وَاَطْهَرَ، وَاَسْنى وَاَكْثَرَ ما صَلَّيْتَ وَبارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ، وَتَحَنَّنْتَ وَسَلَّمْتَ) أصبحت 250 ، وهذه ال250 التي هي افضل ما صليت وافضل ما باركت وافضل ما ترحمت ... وأحسن ما صليت وأحسن ما باركت وأسنى... الخ ؛ مع 8 حيثيات ذكرها هذا الدعاء للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذا ضربناها في 250 التي ذكرناها ظهر لك ( 10000) عشرة آلاف جملة موجودة في هذا التقسيم ، سأذكر واحدة أو 2 منها ، كأنك قلت في هذا المقطع (1- اللهم صل على محمد من حيث هو عبد لك افضل ما صليت على أحد من عبادك . 2- اللهم صل على محمد من حيث هو رسولك افضل ما صليت على أحد من عبادك.....) إلى آخر الثمان حيثيات المحمدية . ثم إذا انتقلت إلى الثانية من كيفيات الصلوات فكانت العبارة هكذا (اللهم صل على محمد من حيث هو عبدك احسن ما صليت على أحد من عبادك اللهم صل على محمد من حيث هو رسولك احسن ما صليت على أحد من عبادك اللهم صل على محمد من حيث هو أمينك احسن ما صليت على أحد من عبادك ) إذا رتبنا هذا المقطع سوف نصل إلى 10 آلاف جملة ، كل منها تضيف إلى تعرفنا على محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم ) درجة !! الذين يعرفون هذه الأمور على حقيقتها ليسوا هم نحن عوام الناس ، نحن ربما كان لنا مما تعلمناه عليهم (صلى الله عليه وآله وسلم )شيء من الإدراك وشيء من التبصر ولكن الذين علموا حقيقة هذه المعاني يعرفون كيف ينالون ما ينالونه بالتوسل إلى الله والتقرب إليه بأسمائه الحسنى المتجلية في وجود وظهور محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ). قال الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( لما خلق الله آدم فسأل ربه أن يريه ذريته من الأنبياء والأوصياء المقربين إلى الله عز وجل فأنزل الله عليه صحيفة فقرأها كما علمه الله إلى أن انتهى إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) النبي العربي فوجد عند اسمه اسم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال آدم : هذا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) فهتف إليه هاتف يسمع صوته ولا يرى شخصه يقول : هذا وارث علمه وزوج ابنته ووصيه وأبو ذريته . فلما وقع آدم في الخطيئة جعل يتوسل إلى الله تعالى بهم فتاب الله عليه ) خطيئة آدم هي قصة هذا الوجود ، هي رمز تنقل الإنسانية ممثلة في آدم (عليه السلام ) من عالم الخلقة الأولى وركيزة الوجود الأول ، إلى الجنة التي كان فيها معصيته وخطيئته، إلى نزوله إلى الأرض إلى أن يتوب الله عليه فيختاره نبياً ، آدم بدأ في الجنة وانتهى به الأمر إلى الأرض ولكن تاب الله عليه حتى عاد إلى مرتبة الأنبياء ، هبوطه من الجنة كان بسبب خصائص نفسية جبل عليها آدم وصرفها فيما أرشده الله إليه ، ذات آدم كان حقيقتها أن تنزل إلى الأرض وتتواجد في هذه الأرض ، والأمر المحقق أن آدم كان سيبقى مخلوقاً حده حد الأرض لمعصيته لله جل وعلا ، حد آدم هو حد هذا الوجود الترابي بسبب معصيته ، ولولا انه كانت له نظره ومعرفة وتعلق قلبي بتلك الأسماء وتعلق قلبي بتلك الأنوار التي تعرف عليها ، لولا هذا التعلق في قلبه وتوسله بتلك الأسماء لبقي آدم أرضي ، وأغلقت أمامه أبواب الصعود إلى الجنة والعودة إلى الأكمل ، لمّا كان لآدم مجال حقيقة أن يكون نبياً ؛ بل كما يبدوا أن سر سجود الملائكة لآدم هو بسبب ان له ارتباط بهذه الأسماء ( وعلم آدم الأسماء كلها ) ، كان هذا السر الباطني في داخل آدم هو الذي جعله ينتقل مرة أخرى من عالم التراب والخطيئة من عالم الضيق والنكد إلى مرحلة القرب من الله عز وجل ، وأن يكون أهلاً للجنة الأبدية الأزلية . هل آدم هكذا فقط ؟! بل سائر الأنبياء ( عليهم السلام ) أيضاً ، بل سائر من نال خيراً في هذا الوجود. نختم هذا الدرس برواية ينقلها الشيخ القمي في كتابه الفضائل عن الإمام الصادق (عليه السلام ) (الإمام الصادق (عليه السلام ) يقول انه كان جالساً في الحرم عند مقام إبراهيم (عليه السلام ) فجاء رجل شيخ كبير قد فنى عمره في المعصية - أي عمره لم يخلو من النقائص والمعاصي والذنوب - فنظر هذا الشيخ إلى الإمام الصادق (عليه السلام ) وربما كان في مكنون قلبه تعرف عليهم (عليه السلام ) فقال : نعم الشفيع إلى الله للمذنبين . يظهر أن هذا الشيخ بين إيمانه ومعرفته و بين تطبيقه وعمله فاصل ؛ فهو من جهة محب وعارف ومتولي لهم (عليه السلام ) ومدرك انهم (عليهم السلام) الشفعاء ومن جهه مذنب ؛ حينما رأى الإمام الصادق (عليه السلام ) ماذا قال ؟! ( نعم الشفيع إلى الله للمذنبين ) والحمد لله رب العالمين |
شرح دعاء الافتتاح .. الدرس الثامن و الأخير : حقيقة معرفتهم والارتباط بهم عليهم السلام
��بسم الله الرحمن الرحيم �� ✨شرح دعاء الافتتاح ✨ في شهر رمضان 1422ه في الدمام يشرح فيها بعض معاني دعاء الافتتاحسلسلة دروس القاها سماحة الشيخ الفاضل ☄عبد المحسن النمر ☄ الدرس الثامن والأخير: حقيقة معرفتهم والارتباط بهم عليهم السلام الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين تلخيص لما سبق : ( اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَاَمينِكَ، وَصَفِيِّكَ، وَحَبيبِكَ، وَخِيَرَتِكَ مَنْ خَلْقِكَ، وَحافِظِ سِرِّكَ، وَمُبَلِّغِ رِسالاتِكَ، اَفْضَلَ وَاَحْسَنَ، وَاَجْمَلَ وَاَكْمَلَ، وَاَزْكى وَاَنْمى، وَاَطْيَبَ وَاَطْهَرَ، وَاَسْنى وَاَكْثَرَ ما صَلَّيْتَ وَبارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ، وَتَحَنَّنْتَ وَسَلَّمْتَ عَلى اَحَد مِن عِبادِكَ وَاَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ، وَصِفْوَتِكَ وَاَهْلِ الْكَرامَةِ عَلَيْكَ مِن خَلْقِكَ ) بعد حمد الله عز وجل تعرضنا لبعض أوصاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) وسألنا الله أن يصلي على محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وذكرنا أن الصلاة على النبي وآله بما هم مظهر صفاته وأسمائه – عز وجل- هي الوضع الطبيعي والصورة المنعكسة عن حمد الله ، فمرآة كمال الله ومرآة علمه ورحمته هم محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهكذا كل صفة حمد وتعرف على الله عز وجل بصفة من أسمائه وصفاته مقتضاها الصلاة على محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حيث أنهم الوجود التحققي والتعيني الذي ظهرت فيه هذه الصفة ، و ذكرنا أنه إذا نظرنا إلى هذه الصلوات على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نجد أن الصلاة عليه من حيث أنه عبد الله و رسوله وأمينه وصفيه وحبيبه .. إلخ، وأن هذه الصلاة أفضل وأحسن وأجمل إلى عشر صفات ، وهي صلوات وبركات ورحمة وتحنن وسلام على أفضل ما ناله عبد أو رسول أو صفي عند الله ، وذكرنا أن هذا المقطع ينحل إلى عشرة آلاف – تقريبا- جملة صلاة على محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا التفتنا إلى كل جهة من جهات حمد الله وكل صفة ، حينها نتعرف على الله ويظهر لنا ويتنزل على قلوبنا تلك الصفة من الرحمة هي مقتضى ألف صلاة من هذه الصلاة . فمن حيث أن الله لا شريك له ؛ تكون الصلاة على محمد وآله عبده ورسوله بأفضل وأجمل وأكمل ما صلى وبارك على أحد من عباده وأنبيائه ورسله . ومن حيث أن الله عز وجل هو المتصف بالوهابية ؛ الصلاة على محمد وآله لأنهم مظهر الوهابية . وهكذا إلى آخر التشكيلة الصلواتية التي تعرفنا عليها وبالتالي ينتهي بنا الحال إلى أن نتعرف على عدد لا يحصيه إلا الله من الصلاة على محمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) . هذه النقطة حاولنا أن نشير إليها في الدرس الماضي . أصل الصلوات للنبي وبالتالي لآله : هذه الصلاة وتنزلها في هذا العالم هي أولاً وبالأصل للنبي الهاشمي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي بالتالي وبنفس الدرجة لعلي (عليه السلام ) (اَللّـهُمَّ وَصَلِّ عَلى عَليٍّ اَميرِ الْمُؤْمِنينَ ) لا حاجة إلى تكرار الكيفية في الصلوات لأن ما لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من الصلوات فهو لعلي (عليه السلام) ( وَصَلِّ عَلَى الصِّدّيقَةِ الطّاهِرَةِ فاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمينَ ) وعلى فاطمة (عليها السلام) نفس الصلوات والرحمات ( وَصَلِّ عَلى سِبْطَيِ الرَّحْمَةِ وَاِمامَيِ الْهُدى ) إماماً بعد إمام الدعاء ، إلى هنا يظهر ترابط فقرات واتجاه الدعاء من التعرف على الله تعالى وذكره بأنواع الأسماء الجمالية والجلالية والتعرف عليه عز وجل بتلك الأسماء والصفات العظيمة هي مقتضى تكويني ، هي مقتضى الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و آله الطيبين الطاهرين . هم (عليهم السلام) حقيقة الطريق إلى الله : نقف عند نقطة تتعلق بمعرفة واقعية الارتباط بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعلي وآل علي (عليهم السلام) ، قد يتصور شخص بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حامل الرسالة والدعوة وعلي وصيه والأئمة هم السائرون على نهجه ، بلّغونا هذه الرسالة وصي بعد وصي و إمام بعد إمام . وهم حملوا الرسالة وتشبعت حياتهم وفكرهم بهذه الرسالة . فنحن غايتنا وهدفنا من التعرف عليهم ومتابعة شؤون حياتهم وصفاتهم هي أخذ هذه الرسالة عنهم (عليهم السلام) ، أو لنقل بحسب الاصطلاح الذي يؤسسه الأصوليون أن غايتنا منهم هو كونهم طريقاً لأخذ هذه التعاليم ولو أننا بأي سبب كان وبأي وسيلة بلغنا تلك التعاليم لكان البحث عن صفاتهم ومقاماتهم أمرًا إضافيًا زائدًا ، فإذا عرفنا كيفية الصلاة والصوم والحج وتعلمنا الأخلاق التي طلبها الله منا ربما لا نحتاج بعد ذلك لمعرفة مقاماتهم وحالاتهم وشؤونهم ، أي باختصار أن معرفتهم لا موضوعية ولا شكلية له في حد ذاته المهم هذه التعاليم ! هذه الصورة مغلوطة وغير صحيحة والصحيح أنهم (عليهم السلام) هم حقيقة الطريق إلى الله ، لا أنهم وسيلة للطريق إلى الله , فهم (عليهم السلام) حقيقة النور الإلهي الذي خلقه الله عز وجل ، هم حقيقة الكمال ، فالصلاة منهجهم (عليهم السلام) ، والصوم طريقتهم في عبادة الله ، الحج مسلكهم في السير إلى الله , والصلاة والحج والعبادات بمختلفها هي شؤونهم (عليهم السلام) إنما نحن نؤدي هذه الأعمال والعبادات بما أنها طريق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ومسلكه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وآله . نحن نعرف العبادات بتعليم العلماء ولا شأن للعلماء فيها ، نحن نقلد المراجع الأفاضل ولكن لا ارتباط موضوعي لنا بالمراجع ، فغايتنا هي نفس هذه التعاليم . لكن هذا الأمر ليس كذلك بالنسبة لمحمد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) . ليس هناك تعاليم اسمها الصلاة والزكاة والحج لها واقعية منفصلة عن سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونهجه بل إن الصلاة والعبادات بمختلف أنواعها هي اقتفاء أثرهم (عليه السلام) وكلما اُقتفى أثرهم واُرتبط بهم كلما تعرف على حقيقتهم وكلما تعرف على حقيقتهم تعرف على الله عز وجل . ارتباط وجودنا به عجل الله فرجه : لختم الدرس نختصر الفقرات في هذا الدعاء ؛ المقطع الأول كان حمداً لله عز وجل تلاه المقطع الثاني وكان صلاة على محمد وآله ( صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثم المقطع الثالث ( وَصَلِّ عَلى وَلِىِّ اَمْرِكَ الْقائِمِ الْمُؤَمَّلِ، وَالْعَدْلِ الْمُنْتَظَرِ، وَحُفَّهُ بِمَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبينَ، وَاَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ يا رَبَّ الْعالَمينَ) ويختص بالارتباط بصاحب العصر والزمان (عج) ، هذا المقطع يشبه نزع الروح من عالمها ومحيطها المادي والحياتي وقضاياها الخاصة إلى الانتقال للارتباط بقضايا صاحب العصر ( عج ) ووظائفه وروحه ، لاحظوا هذا المقطع من الدعاء يمكن تقسيمه إلى خمس فقرات : الجزء الأول : دعاء للإمام (عليه السلام ) ( اَللّـهُمَّ وَصَلِّ عَلى وَلِىِّ اَمْرِكَ الْقائِمِ الْمُؤَمَّلِ، وَالْعَدْلِ الْمُنْتَظَرِ، وَحُفَّهُ بِمَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبينَ، وَاَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ يا رَبَّ الْعالَمينَ ) هذا المقطع من الدعاء يجعل توجهنا إليه ( عج ) ونظرتنا إلى مقامه وشخصه الشريف والدعاء له بأن يحفه الله تعالى بالملائكة المقربين ويؤيده بروح القدس . الجزء الثاني : الدعاء له بتعجيل فرجه الشريف والقيام بوظائفه التي اُدخر لها ، والتي بقي من أجلها كل هذا العمر المديد والزمان المتطاول منتظراً للحظة التي يقدم فيها لأداء هذه الوظائف ( اَللّـهُمَّ اجْعَلْهُ الدّاعِيَ اِلى كِتابِكَ، وَالْقائِمَ بِدينِكَ، اِسْتَخْلِفْهُ في الاَْرْضِ كَما اسْتَخْلَفْتَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِ، مَكِّنْ لَهُ دينَهُ الَّذي ارْتَضَيْتَهُ لَهُ، اَبْدِلْهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِ اَمْناً يَعْبُدُكَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئاً، اَللّـهُمَّ اَعِزَّهُ وَاَعْزِزْ بِهِ، وَانْصُرْهُ وَانْتَصِرْ بِهِ، وَانْصُرْهُ نَصْراً عَزيزاً، وَاْفتَحْ لَهُ فَتْحاً يَسيراً، وَاجْعَلْ لَهُ مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصيراً، اَللّـهُمَّ اَظْهِرْ بِهِ دينَكَ، وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ، حَتّى لا يَسْتَخْفِيَ بِشَىْء مِنَ الْحَقِّ، مَخافَةَ اَحَد مِنَ الْخَلْقِ ) . ..يتبع |
تابع الدرس الثامن والأخير : حقية معرفتهم والارتباط بهم عليهم السلام
الجزء الثالث : الدعاء للإسلام بالظهور والغلبة على يديه ( عج ) ( اَللّـهُمَّ اِنّا نَرْغَبُ اِلَيْكَ في دَوْلَة كَريمَة تُعِزُّ بِهَا الاِْسْلامَ وَاَهْلَهُ، وَتُذِلُّ بِهَا النِّفاقَ وَاَهْلَهُ) يا رب نريد لهذا الدين النصر والغلبة والانتشار .
الجزء الرابع : الدعاء لنا بالقيام بوظائفنا في هذه الدولة ( اَللّـهُمَّ اِنّا نَرْغَبُ اِلَيْكَ في دَوْلَة كَريمَة تُعِزُّ بِهَا الاِْسْلامَ وَاَهْلَهُ، وَتُذِلُّ بِهَا النِّفاقَ وَاَهْلَهُ) . الجزء الخامس : إلى آخر الدعاء هو دعاء للمؤمنين . أيتها الأمة المؤمنة التي أخلصت وصدقت في متابعته والتي ربطت حياتها ووجودها به (عليه السلام) ( اللّـهُمَّ الْمُمْ بِهِ شَعَثَنا، وَاشْعَبْ بِهِ صَدْعَنا، وَارْتُقْ بِهِ فَتْقَنا، وَكَثِّرْبِهِ قِلَّتَنا، وَاَعْزِزْ بِهِ ذِلَّتَنا، وَاَغْنِ بِهِ عائِلَنا، وَاَقْضِ بِهِ عَنْ مَغْرَمِنا، وَاجْبُرْبِهِ فَقْرَنا، وَسُدَّ بِهِ خَلَّتَنا، وَيَسِّرْ بِهِ عُسْرَنا، وَبَيِّضْ بِهِ وُجُوهَنا، وَفُكَّ بِهِ اَسْرَنا، وَاَنْجِحْ بِهِ طَلِبَتَنا، وَاَنْجِزْ بِهِ مَواعيدَنا، وَاسْتَجِبْ بِهِ دَعْوَتَنا، وَاَعْطِنا بِهِ سُؤْلَنا، وَبَلِّغْنا بِهِ مِنَ الدُّنْيا وَالاْخِرَةِ آمالَنا، وَاَعْطِنا بِهِ فَوْقَ رَغْبَتِن) فهو عجل الله فرجه طريق الخلاص من المحن والبلاء . ما أريد أن ألفت النظر له إلى أن تسلسل هذه الفقرات من الدعاء تحوّل الإنسان المؤمن في جميع جوانب حياته ووجوده إلى إنسان غاياته وحاجاته ورغباته وأعماله ونياته وحضوره وآماله كلها مختلطة به (عج) ليس هناك انفكاك، ولهذا في آخر الفقرات ندعو ونقول ، نحن الآن نعيش في زمان تشتد به المصائب وأنواع البلايا على الأمة الإسلامية من تشتت في الكلمة إلى ضعف و قلة العدد وكثرة العدو ، ونحن نتلهف إلى الحظات التي نتخلص فيها من هذه النقائص والشدائد ، سائر الأمم ربما تعيش في أمن واطمئنان ونحن لا تخلوا بلد من بلاد المسلمين من البلاء والمحن ، ومع الأسف الشديد لا يوجد في هذه الأمة المسلمة كرامة تستطيع أن تقول للظالم أنت ظالم ، وللمعتدي أنت معتدي ، وهذه السويعات التي نعيشها تعيش فيها فلسطين في الشدائد ، نحن نتحرق للحظات التي نتخلص فيها من هذه الشدائد ، لكن كيف ؟ بمن ؟ الجواب : به (عليه السلام) نحن لا نريد فرجاً إلا به (عج) ولا نريد لم شعث إلا به ( عج ) ولا شعب صدع ورتق فتق ولا نتمنى السعادة والراحة والأمن في هذه الحياة إلا إذا كان مرتبطاً به (عليه السلام) ، كل ما في الفقرة الخامسة هو دعاء بالخير للأمة الإسلامية ،لكن في كل فقرة يتم ربط هذا الخير به (عج ) وجعل محوره هو (عليه السلام) ، إننا لا نرى في هذا الوجود خيراً ولا سعادة ولا أمناً ولا تطورًا ولا شرفاً ولا كرامة إذا لم يكن بيده (عليه السلام) . الخلاصة : هذه الفقرة من الدعاء تخلط حقيقتنا ووجودنا بحقيقته ووجوده (عليه السلام) غاياتنا غاياته وآمالنا آماله ، وظائفنا التي نقوم بها هي من أجله ( عليه السلام) ، حبنا لأهلنا ولعيالنا ولمجتمعنا يجب أن ينصب في حبه ومن أحبه (عليه السلام) . يعلمنا هذا الدعاء أن يكون وجودنا بجميع جهاته وجميع أوجهه ووجوده مرتبط به (عليه السلام) وموجود له ومعه (عج) . تأملوا في هذه الفقرات لتدركوا الدروس التي تعطيها لنا ، أن تكون أعمالنا ، تصرفاتنا ، مكسبنا ، عبادتنا، تهجدنا، دعاؤنا، ارتباطنا بالله إنما يكون على ظل ارتباطنا بالحجة وتبعا لارتباطنا به ، حيث تكون كل حقائقنا مرتبطة بشرفه وكرامته عليه السلام) . الفقرة الأخيرة التي نختم بها هذا الموضوع هي أننا نفهم من هذا الدعاء أن لارتباطنا بالإمام (عليه السلام) خصوصية ؛ بمعنى أن هذا الدعاء علمنا كيف نصلي على محمد وآله (صلى اللع عليه وآله) لكن جعل للصلاة عليه (عج) إضافة وخصوصية . في الحديث أن الهادي (عليه السلام) أصيب بمرض فقال لبعض أصحابه من منكم يذهب إلى الحائر - هو (عليه السلام) كان في سامراء - فيدعو لي،فقال بعض أصحابه: أنا أذهب وحينما أراد أن يخرج قابل أحد أصحاب الإمام الهادي عليه السلام) الخاصين فقال له : إلى أين أنت ذاهب ؟ قال : الإمام أرسلني إلى الحائر لأدعو له ...فقال له لنعود إلى الإمام (عليه السلام) وذهب إلى الإمام فقال : سيدي ومولاي ألست أنت الحائر أي الذي يذهب للحائر الحسيني لا يجد غيرك هناك فأنت الحسين والحسين أنت فلماذا يذهب للحائر ؟؟ الإمام بين له أنه صحيح نحن نورنا واحد وطينـتنا واحدة لكن الله سبحانه وتعالى جعل لتنزل الخيرات والبركات مجاري وجعل الحائر الحسيني مجرى لإجابة الدعاء . ونحن نقول في هذه اللحظات أن حائرنا الذي نتوجه إليه في هذه الليالي المباركة هو ساحته ( عج ) كلهم (عليه السلام) نور وحقيقة واحدة لكن له (عج) خصوصية في هذه اللحظات أن من كان بينه وبين الإمام (عليه السلام) رابطة من كان بينه وبين الحجة (عليه السلام) محبه وولاء وإخلاص فإن هذه المحبة والإخلاص والولاء في هذه الليالي الخاصة تتبلور ، نحن نحب الإمام (عليه السلام) في كل وقت لكن هذه الليالي بالخصوص هي ليالي نمو بذرة الحب وتجليها وظهورها على حقيقتها . عن الإمام السجاد (عليه السلام) أنه قال: ( تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله (صلى اللع عليه وآله) والأئمة من بعده وأن أهل زمان غيبته القائلون بإمامته المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان لأن الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والإفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلى اللع عليه وآله) بالسيف أولئك المخلصون حقا وشيعتنا صدقًا والدعاة إلى دين الله سراً وجهراً ) أصحاب الإمام الصادق ( عليه السلام ) الذين بلغوا ما بلغوا من الحالات والمقامات التي اكتسبوها من معاشرتهم و مخالطتهم وتعرفهم على الإمام الصادق (عليه السلام) تلك الحالات والمقامات أنتم الذين تعيشون غائبين عن الإمام لستم بأقل شأن أو أقل مرتبة منهم ، إذا أخلصنا في الارتباط بالإمام (عليه السلام) فإن ما نناله من الخيرات هو أضعاف ما يناله أولئك ، ذكرنا في تلك الليلة الشيخ الكبير الذي ذهب إلى المسجد الحرام فرأى الإمام (عليه السلام) و كحل بصره بالنظر إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وامتلأت شغاف قلبه من حب الإمام (عليه السلام) قال : نعم الشفيع إلى الله عز وجل . ونحن نقول في هذه الليالي نعم الشفيع إلى الله محمد بن الحسن (عج) . في الرواية أنه نقل صاحب كتاب بصائر الدرجات معجزة للإمام الجواد (عليه السلام) – أحببنا أن ننقلها لنبين بها حقيقة الارتباط بالإمام (عليه السلام) – قال :عن علي بن خالد وكان زيدياً أنه قال:كنت في العسكر فبلغني أن هناك رجلاً محبوسا أُتي به من ناحية الشام مكبلاً ، وقالوا أنه تنبئ فاحتلت لكي أراه وأصل إليه فلما قابلته قلت له: ما الذي جاء بك و أوصلك إلى هذه الحال ؟ فنفى الرجل عن نفسه أن يكون متنبئ وقال لي : كنت رجلًا بالشام أعبد الله في الموضع الذي يقال له موضع رأس الحسين بن علي (عليه السلام) فبينما أنا في عبادتي أتاني شخص – ظاهر هذه الرواية أن هذا الرجل يعيش في الشام وربما كان شيعياً ومحبا ولكن لا يبدوا أنه شخص معروف لأن الراوي لم يقل اسمه أو أنه من أصحاب الأئمة (عليه السلام) – فقال قم بنا قال فقمت معه يقول فبينما أنا معه إذ أنا في مسجد الكوفة فقال لي أتعرف هذا المسجد ؟ قلت : نعم هذا مسجد الكوفة قال : فصلى وصليت معه وبينما أنا معه إذ أنا في مسجد المدينة المنورة قال فصلى وصليت معه ودعا له ، ثم هو صلى على رسول الله (صلى اللع عليه وآله) ودعا له ، يقول فبينما أنا معه إذ أنا بمكة – هذا الرجل له من الكرامات والمقامات أنه أتاني في الشام وقال لي تعال معي وفي لحظات وإذ بنا في الكوفة ثم في المدينة ثم في مكة – وطفت معه ثم أرجعني إلى الشام ومشى عني ، يقول فتحيرت وبقيت متحيراً إلى سنة فلما جاءت السنة القادمة في مثل تلك الليلة جاءني ذلك الرجل وعمل معي مثل ما عمل معي في المرة السابقة فلم عاد بي إلى الشام قلت له سألتك بحق الذي أقدرك على ما رأيت إلا أخبرتني من أنت ؟ قال فأطرق طويلاً ثم نظر إلي فقال أنا محمد بن علي بن موسى ... بن الحسين (عليه السلام) . يقول : فحدثت من معي بهذه القصة فبلغ الخبر محمد بن عبد الملك الزيات وهو الوزير الأعلى للخليفة قال فبعث إلي وأخذني وكبلني بالحديد وحملني إلى العراق وحبسني كما ترى وأدعى عليّ بأنني قد ادعيت النبوة فقلت له: ألا تكتب رسالة إلى محمد بن عبد الملك وأخبره أنك لم تدع النبوة وإنما هذا ما حدث ، يقول فقال لي : فمن أين أكتب إليه ؟ فقلت له : أنا أكتب لك ، فكتبت له الرسالة فأخذتها وأوصلتها إلى محمد بن عبد الملك فذكرت في قصته ما كان وأرسلته باسمه . فجاء الجواب من محمد بن عبد الملك موقعاً على هذه الرسالة قل للذي أخرجك في ليلة من الشام إلى الكوفة ومن الكوفة إلى المدينة ومن المدينة إلى أن أعادك إلى مكانك أن يخرجك من الحبس، كأنه يسخر منه ، فقال علي بن خالد : فأصابني من الغم له لما جاءني هذا الجواب ورققت له ، ثم بكرت إليه لأرى وضعه وأعزيه وأصبره على ما حل به ، يقول فلما ذهبت إلى السجن في اليوم الثاني فإذ الجند و وصاحب السجن وخلق عظيم يتفحصون حاله قلت ما هذا ؟ قالوا : المحمول من الشام الذي تنبئ أفتقد البارحة لا ندري أخسف به الأرض أم طار به الطير !! مقصدنا أن نوضح أن الارتباط بهم - صلوات الله عليهم أجمعين - يفتح للإنسان آفاق الإيمان والارتباط بالله ، هذا الرجل حسب ما يظهر من هذه القصة أنه ليس من الخواص ، إنما رجل في قلبه ولاء مخلوط بصدق وصفاء نية . الله أكرمه بكل هذه الكرامات . ونحن بمشيئة الله إن أخلصنا نيتنا وصفيناها في هذه الليالي المباركة سننال من الكرامات ظهرت جليه لنا أم لم تظهر !! ذهبنا للمدينة المنورة أم لم يأت من يذهب بنا !! فما سنناله هو أعظم وأكمل وأكرم وأجل منه. قرأنا في الرواية أن الارتباط بالإمام (عج) في غيبته له من الأجر أضعاف ما للارتباط بالإمام الظاهر العلني به فما ناله أصحاب الأئمة (عليه السلام) من الخيرات والبركات هو معد ومدخر لنا - إن شاء الله - في هذه الليالي . والحمد لله رب العالمين |
| الساعة الآن 06:13 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions Inc.